تفاهمات حماس- دحلان قد تغيّر المشهد

فجأة، ودون أية مقدمات، حدث اختراقان مهمان في المشهد الفلسطيني، يرجح أن يكون لهما أثر بعيد المدى على هذا المشهد: تفاهمات بين حماس ومصر، وتفاهمات بين حماس ودحلان، حول مختلف ملفات قطاع غزة وازماته المفتوحة.

تزامن هذان التطوران الكبيران مع تطورين كبيرين آخرين: الاول هو الاجراءات غير المسبوقة التي اتخذتها السلطة في قطاع غزة، والثاني المقاطعة التي فرضتها السعودية والدول الحليفة لها على قطر، ومطالبتها بوقف دعم قوى "الارهاب"، بما فيها حركة حماس، وفق ما جاء على لسان وزير خارجية العربية السعودية.

ووسط هذا "الحصار الخانق"، تلقت حركة حماس "حبل نجاة" من حيث لم تتوقع، من اشد خصومها، مصر ومحمد دحلان.

لكن حماس تعلم ان يد المساعدة هذه لم تكن "يداً إلهية"، وانما جاءت وفق حسابات المصالح السياسية لهذه الاطراف، التي التقت في هذه اللحظة السياسية مع مصالح "العدو" القديم، حركة حماس؛ فمصر تواجه حرباً مفتوحة مع الجماعات السلفية في سيناء، ولديها تقارير تفيد، أولا، أن حركة حماس لديها معلومات عن تلك الجماعات، واماكن تواجدها، ومصادر تسليحها، وتعلم ثانياً، ان هذه الجماعات تستخدم غزة ساحة خلفية لها، تنقل اليها الجرحى للعلاج، وترسل مقاتلين ومطلوبين لفترات قصيرة يجرون أثناءها الاعداد لعمليات قادمة بعيدا عن ملاحقة الاستخبارات والجيش المصريين.

ودحلان الذي غاب عن المشهد كليا، بعد ان أخفقت ضغوط "الرباعية العربية" على الرئيس عباس في إعادته الى الحياة السياسية الفلسطينية، بدأ يبحث عن مدخل آخر للعودة، ولم يجد أكثر جدوى من البيت، قطاع غزة الذي يتمتع فيه بشعبية لافتة، خاصة في أوساط ابناء حركة فتح.

وحركة حماس التي تفاقمت أزمتها الاقتصادية والمالية والسياسية بعد ان تكثف الحصار عليها محلياً وإقليمياً ودولياً، وجدت في اليد الممدوة لها فرصة للخروج من الحصار، او تخفيفه على اقل تقدير، فتلقفتها دون تردد، وقدمت مقابلها الثمن المطلوب المتمثل في تعاون أمني مع مصر، والسماح للعدو القديم، دحلان، بالعودة للعمل في داخل البيت (غزة)، والظهور بمظهر المنقذ للقطاع واهله.

دحلان، الذي يوصف بالثعلب السياسي، استفاد من الحقائق والتغيرات الأخيرة، المتمثلة في: وجود قيادة جديدة لحركة حماس، مركزها غزة وليس قطر، ووجود ضغوط جديدة وقاسية للسلطة في غزة، أدت إلى تضرر الجمهور الواسع، وليس فقط حماس، وحاجة مصر إلى سند في حرب الاستنزاف التي تخوضها في مواجهة الجماعات السلفية في سيناء، وتحرك سريعاً لخلق بيئة سياسية واصطفافات جديدة.

التقى وفد حركة حماس مع قيادة المخابرات المصرية وتوصل الجانبان الى تفاهمات أمنية، سارعت حماس الى تطبيقها على الارض وبصورة معلنة، عندما نشرت قواتها على الحدود المصرية تحت إشراف قائد قوات الامن توفيق ابو نعيم الذي كان احد اعضاء وفد الحركة الى القاهرة.

وحسب مصادر في حماس، فإن مصر تعهدت، بالمقابل، بتسهيل الحركة على معبر رفح، بعد ان تفرغ من أعمال الترميم الجارية.

وقال مسؤول رفيع في الحركة: "مصر أبلغتنا أنها لن تستطيع فتح المعبر بصورة طبيعية دون مشاركة السلطة الفلسطينية، لكن يمكنها ان تسهل الحركة لحين التوصل الى اتفاق".

ونصت التفاهمات بين حماس ودحلان وفريقه التي جاءت في ختام اربعة اجتماعات طويلة في العاصمة المصرية، على العمل  المشترك على حل المشكلات التي تواجهها غزة، وسماح حركة حماس للجناح الذي يقوده دحلان بالعمل السياسي الحر والمفتوح في القطاع.

وبدأ تطبيق هذه التفاهمات بتنسيق عودة عدد من قادة تيار دحلان الى غزة مثل سمير مشهراوي، وتوفير مبلغ مالي كبير (50 مليون دولار) لاتمام المصالحة المجتمعية، ودفع "ديات" جميع ضحايا الانقسام من الحركتين.

ويرجح أن تؤدي هذه التطورات الى تحسن مكانة حماس في غزة، وتاليا تحسن دورها في المشهد الفلسطيني. كما يتوقع ان تؤدي الى عودة دحلان للعب دور اكثر اهمية، من خلال تعزيز مكانته في قطاع غزة الذي يشكل عدد سكانه اكثر من 40% من سكان الاراضي الفلسطينية المحتلة.

وينظر الكثير من اهالي غزة الى دحلان كمنقذ محتمل لهم من الحصار بعد فشل حركة حماس في توفير الحد الادنى من الخدمات لسكان القطاع البالغ عددهم مليوني نسمة، وفشل السلطة في تغيير الوضع في القطاع نحو الافضل.

وفي حال تحققت هذه التفاهمات، فإن من التوقع ان تؤدي الى تراجع مكانة السلطة الفلسطينية في غزة.

"في السياسة لا يوجد أصدقاء دائمون، ولا أعداء دائمون، توجد مصالح دائمة"، هذا ما قاله تشرتشل ذات يوم، وتحول إلى ما يشبه النظرية السياسية. ويحيى السنوار، الذي كان يطلق على دحلان أقذع التهم، وافق على لقائه والتوصل معه إلى تفاهمات جدية، ما يظهر براغماتية القائد الجديد لحركة حماس، وصانع القرار الاول فيها، واستعداده للقفز عن  حاجز الايديولوجيا عندما تلوح في الأفق الفرص والمصالح السياسية.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018