في كتابه الأول "أبيض وأسود" سباعنة: الأسير الفلسطيني إنسان.. وليس سوبرمان

 

1/3

 

في حضرة الانقسامات، والخطابات العقيمة التي تغرق بها فلسطين بدعوى السير لتحريرها، يسطّر فنان الكاريكاتير الفلسطيني محمد سباعنة خطابا فنيا جديدا، ابتكر فيه شخصيات بملامح معبرة تحكي للعالم ما تمر به فلسطين من معاناة في ظل الاحتلال الاسرائيلي، مشكلة مادة كتابه الاول"أبيض وأسود".

وشاءت الأقدار أن يتزامن اطلاق الكتاب في الولايات المتحدة، مع اضراب الاسرى الفلسطينيين، مسخرا حفلات توقيعه للحديث عن معاناتهم كجزء أصيل من معاناة الشعب الفلسطيني.

وفي هذا الحوار مع سباعنه جولة في الكتاب، ومعه خلال رحلة اصداره وتوقيعه.وفيما يلي نصه:

  • عنوان الكتاب "أبيض وأسود"، لماذا تم تقديم الأبيض على الأسود، وليس العكس؟

  • تقديم الأبيض على الأسود رغم كل المعاناة والسواد الموجود في الكتاب من تفاصيل اللوحات والمواضيع المطروحة، هو نوع من استحداث الأمل، حتى يكون موجودا للاجيال القادمة، ولكي لا نكون سوداويين، وأملا بيوم من الأيام المفروض ان نملك فيه القدرة بأن يكون لدينا دولتنا وكياننا الخاص، وأن يحصل هذا الشعب على حقوقه، لذلك، فضلت الابيض كمقدمة لعنوان الكتاب.

 

  • ما هو الدافع وراء رسم لوحات الكتاب باستخدام أسلوب مغاير ومختلف عما هو سائد اليوم من تكنولوجيا بين فناني الكاريكاتير؟

  • خلال سنوات طويلة، قدمت لوحات عديدة حاكت هم الناس ومعاناتهم اليومية مع الاحتلال، وتفاعل معها الجمهور وتابعها، ولكن بعد لقاء جمعني بمجموعة من فناني الكاريكاتير حول العالم، أصبح لدي تساؤل: هل ما نقوم به من فن الكاريكاتير بعيدا عن الفكرة والموضوع يشكل اضافة لهذا الفن عالميا؟

فعند الحديث عن فن الكاريكاتير، فالمدرسة الفلسطينية تكون حاضرة بقوة، ولكن عند الحديث مثلا عن ناجي العلي كأهم فناني الكاريكاتير العرب، فنحن نتكلم عن المواضيع والمواقف التي كان يطرحها، لا عن المدرسة الفنية التي يعمل فيها الناجي أو غيره من الفنانين العرب، بالتالي أصبح يتوجب علينا كفنانين فلسطينيين وعرب، ان ننتبه اكثر لما نقدمه من فن ومحتوى فني.

لذلك، ابتكرت اسلوبا جديدا وخطا جديدا بالرسم عله يكون علامة فارقة في هذا الفن، حتى يكون هذا الكتاب اضافة جديدة الى ما اقدمه من فن، ولكي لا يطغى الموضوع على العمل الفني نفسه.والمفروض، على أي فنان او مبدع ان يفكر دائما بتطوير أدواته ونفسه، كأي انسان آخر.

 

  • وصف الكتاب في مقال كتبه الاستاذ سعيد ابو معلا بالخطاب الفني الناضج، فما هو الخطاب الذي يتضمنه الكتاب وتريد إيصاله؟

  • هو الصوت الموجه للعالم بما يحدث في فلسطين، من غير انحياز لأي خط سياسي في فلسطين أو خارجها.

والمختلف في اسلوب خطاب هذا الكتاب، كان في جزئيْ أي لوحة كاريكاتيرية (العمل الفني والمضمون)، فمن ناحية فنية، كان الاعتماد على التشكيل وابتكار شخصيات جديدة بملامح تعبيرية تعبر عن الكاركتر او الشخصية، سواء الاحتلال، او شعب تحت احتلال، اكثر من التجريد.

أما المضمون، فكان التغيير فيه بمحاولة طرح للقضية الفلسطينية، بعيدا عن الخطابية، وعما تعودنا عليه من فكرة أسطرة الفلسطيني وجعله أسطورة، وإظهاره كإنسان عادي، ومناقشة هذا الانسان واحتياجاته اليومية تحت الاحتلال كأي شعب آخر في العالم.

 

  • حدثنا عن السجن في كتاب "أبيض وأسود".

  • السجن والمعتقلات بالنسبةلي حاضرة بشكل دائم في أعمالي، من الحديث عن الاضرابات سواء الفردية أو الجماعية، إلى هموم الأسرى اليومية وغيرها، كوني كنت جزءا من هذه الحركة الاسيرة بيوم من الأيام، وابنا لها.

في العادة، عندما نتحدث عن أسرانا، فنحن نتحدث عنهم وكأن الاسير الفلسطيني بطل، وليس بحاجة لقدراتنا الانسانية البسيطة بأن نقف معه، واتوقع انه عندما نتحدث عن الاسرى الفلسطينيين بهذا الشكل، وكأننا نريد القول "عملت اللي عليك"، وذلك لأننا نريد بشكل كبير ان نبرئ انفسنا من هذه المسؤولية تجاههم.

ولكن أقول إن الاسير الفلسطيني هو انسان بحاجة الى ان يشتاق لعائلته واصدقائه واقربائه، وليس سوبرمان.

لذلك، من واجبنا تجاههم ان نقف معهم ونساندهم ونعمل على تحريرهم، لهذا كان في الكتاب وحدة كاملة، تضمنت لوحات قمت برسمها داخل السجن، وبنفس الاسلوب الفني حاولت التقليص من أسطرة الاسير الفلسطيني, والحديث عنه كمعتقل انساني. 

 

  • تميز ناجي العلي بشخصية حنظلة، فما هي الشخصية التي ستميزك كفنان كاريكاتير؟

  • ليس من الضرورة ان يكون لفنان الكاريكاتير شخصية او شعار يميزه، فهناك الكثير من فناني الكاريكاتير حول العالم لا يمتلكون كاركتر يميزهم، تاركين هذه الشخصية مبهمة، بالاشتغال على مجموعة من الشخصيات. وناجي العلي ابتكر حنظلة، لانه هو من يريد ان يكون لديه كاركتر يميزه.

 

  • في مقابلة لك على موقع رمان، تقول "الكتاب وكأي فعل ثقافي سيزعجهم"، الان مبدئيا، وبعد اصدار الكتاب، هل ازعجهم؟ وكيف؟

  •  الكتاب كونه سينتشر في الغرب، وفي ساحة تختلف عن المعركة في الارض الفلسطينية، لن يكون شيئاً محبباً لدى الاحتلال ومؤسساته، وبرأيي لن تكون المسألة مباشرة.

 

  • ما هو موقف السفارة الفلسطينية في الولايات التحدة من الجولة، وكيف تعاملت مع ذلك؟

  • دعوتهم، واعتذروا بسبب انشغالهم.ولكن اتمنى أن يكون هناك عملية تكاملية للجهود الفلسطينية في الخارج من سفارات وناشطين، حتى يكون لمثل هذه الاحداث ناتج مهم.

صحيح ان ما قمت به هو عمل شخصي، لكن مهم جدا استغلاله في زيادة دعم الشارع الاوروبي والامريكي للقضية، فإن فشلنا في تغيير مواقف بعض الدول، فمن السهل تغيير رأي الشارع كونه يتأثر بما يراه من اعمال فنية، خاصة الجمهور الغربي المحب والمتابع بشكل كبير لفن الكاريكاتير.

 

  • تزامن اصدار الكتاب مع اضراب الاسرى، فكيف سخّرت محطات توقيعه بالتضامن معهم؟

  •  كنت استغل دائما بداية اطلاق أي حفل بذكر ما يحدث داخل سجون الاحتلال من اضراب للاسرى، وقمت بدعوة عرب مروان البرغوثي، لأكثر  من حفل توقيع، وذلك حتى يكون موجودا ويتكلم عما يعانيه الاسرى بصفته ابن مروان البرغوثي قائد هذا الاضراب، كما طلبت من الحضور المشاركة بتحدي الماء والملح الذي اطلقه عرب. أشرت في بداية كل حفل توقيع الى تاريخ اليوم بالنسبة للاضراب وآخر أخباره ، تحدثت عن الأسرى وبدأت باسمهم بعد اسم الله.

 

  • كيف تلقى الجمهور الغربي لوحات الكتاب، وما هي الاستنتاجات التي خرجت بها بعد ان كنت على تماس مباشر بهم؟ ومتى سوف يتواجد هذا الكتاب في فلسطين؟

  •  للاسف، بالعادة من يحضر هذه الفعاليات هو المهتم بالقضية الفلسطينية، والداعم لها وللشأن الفلسطيني، فبالتالي ردود الفعل تكون مؤيدة للعمل الثقافي وغير معارضة له، لذلك اتخيل اننا بحاجة لأن نزيد من هذه الاحداث، بحيث تضم اشخاصا غير مؤيدين، وليس لديهم علم بالقضية، كون الهدف من هذه الانشطة هو زيادة الوعي بالقضية وما يحدث في فلسطين. ولكن تحدث الكثير من فناني الكاريكاتير العالميين عن هذا الكتاب وكان أهمهم كال كيجل وهو رسام مجلة الايكونوميست، ومات ولكر رسام البوليتيكو وقد قدمني هو وسيث توبوكمان مدرس الفنون الجميلة في جامعة الفنون البصرية في نيويورك في احدى هذه الحفلات، كما قدم الكتاب أيضا جون ساكو احد اهم رسامي الكومكس في العالم، وهذا كان أمرا مهما بالنسبه لي ان يقيم الكتاب من أصحاب الاختصاص، أعتقد أن الجولة مهمة، فقد شملت جامعات من ضمنها (جامعة الفنون البصرية في نيويورك، وجامعة النيو سكول، وستانفورد في سان فرانسيسكو)، كما دعيت لاكون المتكلم الضيف في فعالية رفع العلم الفلسطيني في مدينة سان هوزيه (سيليكون فالي)  بحضور أعضاء من الكونجرس الأمريكي، وتكلمت في كنائس ومساجد ومؤسسات في الولايات المتحده. وكنت أتمنى أن تكون هناك دعوات من مؤسسات فلسطينية رسمية.

أما عن متى سوف يتواجد هذا الكتاب في فلسطين، فقد قمت ببعض الاتصالات مع المؤسسات المعنية في الشأن الثقافي، وأنتظر أن يكون هناك تفاعل مع هذا الكتاب، ليس لدي تواريخ او مواعيد لذلك، ولكن سوف اطلع الجمهور بأي مستجد، حاليا هناك تعاقد مع دار نشر بريطانية لطباعة الكتاب في لندن، وآخر مع دار نشر ألمانية لترجمة الكتاب وبيعه في ألمانيا، أتمنى أن يكون هناك تفاعل مع هذا المشروع فلسطينيا، وأنتظر تحرك أصحاب الشأن.

 

  • هل القداسة التي احاطت بفن الكاريكاتير من ايام ناجي العلي ورسوماته، ما زالت تستحوذ على الفلسطينيين ام تراجعت مع الوقت؟ 

  • أحاول دائما ان اسقط موضوع القداسة عن كل شيء، وان تبقى القداسة للوطن وللقضية.والقداسة تتراجع وتسقط يوما بعد يوم عن فناني الكاريكاتير، وليس الشارع فقط هو من اسقطها، وانما لفناني الكاريكاتير دور في هذا، وذلك لما يقومون به من اعمال فئوية وحزبية، ودعم اعمى لهذه الاحزاب والتيارات السياسية، وهذه مسألة خطيرة جدا بأن نغلب الحزب والقبيلة على قضية الوطن.

ولكن القداسة حول رسامي الكاريكاتير التي وجدت بفعل ما حدث لناجي العلي كفنان مقاوم، اعتبرها غير مهمة، كوننا كفناني كاريكاتير فلسطينيين نعتبر جزءا من هذا الشعب الذي يقاوم الاحتلال بأدواته وفنه المختلف.

 

  • ما هي المشاريع التي تنوي القيام بها مستقبلا؟

  • احضر لاكثر من مشروع فني جديد، فهناك معرض لبعض اللوحات الفنية المرسومة بتقنية اليونوليوم، بالاضافة لمجموعة من القصص الفلسطينية المرسومة، المأخوذة من مقابلات لأهالي الاسرى والشهداء، وعائلات حول الجدار.واتمنى ان تنال هذه المعارض ردة فعل جيدة، سواء من الجمهور الفلسطيني او الغربي.

 

  • ما هي رؤيتك لتأثير فن الكاريكاتير في القضية الفلسطينيىة مستقبلا؟

  • فن الكاريكاتير في فلسطين انحدر بشكل كبير جدا بعد الانقسام الفلسطيني، وتاه في تفاصيله. والاكثر فعالية لاستخدام هذا الفن في فلسطين هو الالتزام بالقضية الفلسطينية، والدفاع عن قضايانا الوطنية العادلة باستخدامها في معاركنا ضد الاحتلال، بدلا من توظيفها الاعمى في معاركنا الداخلية، وما يحدث داخل فلسطين من انقسام.

 

*طالبة في دائرة اللغة العربية والإعلام بالجامعة العربية الأمريكية

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018