سينما "الهاشمي" في جنين.. ذكرى المكان في ذاكرة أصحابه

 

في البلدة القديمة في مدينة جنين، وفي أحد منازلها العريقة الذي يزيد عمره عن عمر أصحابه بثلاثين سنة تقريباً، يقطن الرجل السبعيني بسام العرابي "أبو فؤاد" وزوجته وبذاكرة مليئة بالأحداث والذكريات والألم أيضاً.

يجلسان بعضهما بجانب بعض ليسردا لنا قصة سينما "الهاشمي" التي شكلت فصلاً كبيراً من حياتهم، وكانت لهم هويةً تقترن أسماؤهم بها، ويشير الناس إليها متى ما ذُكِرَت عائلة "العرابي" على مسامعهم.

إن فتح الذاكرة على الماضي كان بالنسبة لهم أشبه بصعوبة فتح أبواب السينما وهم في هذا العمر وبعد أربعة عشر عاماً على إغلاقها.

سينما "الهاشمي" التي تأسست في خمسينيات القرن الماضي، بصالتها الطويلة ومدرجها المكوّن من صفوف الكراسي التي تتسع لثلاثمئة شخص وآلات بث الأفلام شكلت أكثر من مجرد مصدر رزق للعائلة لسنوات طويلة، فقد كانت مصدر إلهام للناس في زمن لعبت فيه دور السينما دوراً كبيراً، وأشبه بشريان حياة للمدينة بأسرها.

 

عنها أيام عزّها

سميت بذلك تيمُناً بالملك الأردني الهاشمي آنذاك. وكان الناس يُقبلون عليها لمشاهدة الأفلام بشكل كبير، فلم تكن هناك أجهزة تلفاز ولا انترنت، كما يقول" أبو فؤاد".

وكانت الأفلام تُعرَض بشكل يوميّ في الليل والنهار، ويعدد أنواعها على أصابعه: أفلام عربية، أجنبية، كاوبوي، كاراتيه. ويقول: "الفيلم كان يشتغل مدة شهر، ولما ما يعود الناس تيجي عليه كنا نغيّره. وكل فيلم إله قصة مثل ما لكل إنسان قصة".

وتضيف "أم فؤاد" وابتسامة حنين على ثغرها: "أحلى فيلم كان فيلم "الرسالة"، لدرجة إنه الناس كانوا يوقفوا بالشارع يستنوا دورهم لحتى يدخلوا ويحضروه".

ويؤكد "أبو فؤاد" على كلامها بأن فيلم "الرسالة" كان له الحضور الأقوى بين كل الأفلام، وقد عُرِض على مدار شهر كامل وبإقبال كبير عليه، ويقول: "بعد فيلم الرسالة خرب الشغل".

يعود بذاكرته قليلاً ويستذكر لنا تلك الأيام التي كانت تزخر بها السينما بأعداد الحضور عند عرض فيلم هنديّ، في حين تقل أعدادهم عند عرض الأفلام العربية قائلاً: "صارت الأفلام العربية مسخرة وما عادت مرغوبة للناس".

وعن مصدر الأفلام، يوضّح" أبو فؤاد" أنهم كانوا يستأجرونها من شركات مخصصة لذلك في القدس. وكانت تتراوح أجرتها بين 100 دولار و250 دولارا، مضيفاً أن الفيلم الذي عُرِض لمرتين أو أكثر يكون رخيص الأجرة، بينما الأفلام الجديدة تصل إلى 250 دولارا.

ويتفاخر "أبو فؤاد" بحصولهم على فيلم "الرسالة" بعد عرضه في المزاد العلني بين سينما "الهاشمي" وسينما "جنين" من قِبل إحدى شركات الأفلام في القدس آنذاك مقابل 55 ألف ليرة إسرائيلية. 

ويتابع أن شخصيات معروفة كانت تحضر إلى السينما أمثال فؤاد القاسم ورئيس البلدية وغيرهم.

وعن فئات الحضور وأعمارهم، يجيب "أبو فؤاد" أن الدخول كان يقتصر على حاملي الهويات فقط، في حين يُمنَع من هم دون ذلك وفقاً لقرار الحكومة، التي كانت تأخذ ضريبة على التذاكر "كل تذكرة مقابلها قرش أردني" كما يقول.

أما عن أسعارها، فقد بدأت بشيقلين، لكن في ظل غلاء الأفلام والكهرباء، ارتفع سعر التذكرة ليصل 5 شواقل.

وفي هذا، يشرح "أبو فؤاد": "رفعنا سعر التذكرة لـ4 شواقل.. كان ييجي الزبون وما معه فراطة، وبدك ترجعله شيقل.. فعملناها 5 شواقل".

 

نهايات

يتبادل أبو فؤاد وزوجته النظرات في محاولةٍ منهما لإحصاء عدد السنوات التي مرت على توقف السينما، فتربط "أم فؤاد" توقفها باستشهاد ابنها البكر فؤاد، مشيرة إلى صورة شاب في ريعان شبابه معلقة على الحائط، وتعرفنا عليه ومسحة حزن تظهر جليّة في صوتها وملامحها، إنها صورة فؤاد بسام العرابي، ابنهما الذي كان الشريان الأساسي لوالده في أعمال السينما والذي استُشهد في الانتفاضة الأولى.

ويوضحان أن استشهاده كان أحد أكبر الأسباب لتراجع السينما وتوقفها خاصة مع ظروف الانتفاضة الصعبة، قائلاً "مين بده ييجي يحضر أفلام بهيك أوضاع!".

ويشير "أبو فؤاد" إلى أنه وبعد انتهاء الانتفاضة الأولى توقفت السينما عن عرض الأفلام، وباتت قاعة للأعراس، فأصبحت تُقام بها حفلات الأعراس مقابل 1200 شيقل.

ويوضح: "مع الوقت كثرت القاعات فنزّلنا الأجرة لـ700 شيقل وكانوا الناس يشوفوا السعر غالي وبطلوا ييجوا".

ويتابع أنه ومع أحداث الانتفاضة الثانية والمواجهات المتكررة قربها، أدى ذلك إلى تضرر سقفها فكان إغلاقها نهائياً هو الخيار الوحيد والأخير.

ومنذ ذلك الحين وإلى الآن وهي مغلقة، أي ما يقارب أربعة عشر عاماً حسب تقديرهما.

ولم يدخل أبو فؤاد السينما منذ إغلاقها، فآلات العرض تعطلت والكراسي تكسرت وصحته لم تعد تسمح له بالتنقل والخروج من المنزل.

ويرفض هو وزوجته تأجيرها رغم العروض المتكررة التي طرقت بابهم لذلك. ويتمنى لو تعود السينما إلى عزّها، إلا أنه يرى ذلك أمراً بعيداً صعب المنال: "لمين بدنا نفتحها؟ روّاد السينما اختفوا، وصاروا الناس عالتلفزيون والانترنت"، على حدّ قوله.

 

سينما ونصيب

"كان أبوي وأبوه أصحاب، كان عندهم سينمات، ويتبادلوا الأفلام، وهيك صار النصيب".

حنان الشريف "أم فؤاد" التي كان يملك والدها سينما "ريفولي" نابلس، كانت تبلغ من العمر سبعة عشر عاماً حين تزوجت بسام العرابي "أبو فؤاد" الذي كان يملك والده سينما "الهاشمي" جنين وكان عمره ثلاثين عاماً حينها.

حين سألناهما عن أكثر شيء يفقدناه هذه الأيام كان جوابهما "هداة البال". ويؤكد أبو فؤاد ذلك: "فقدنا هداة البال". وترى "أم فؤاد" أن الحياة سابقاً أفضل من اليوم.

وبلكنتها النابلسية تعرب عن حبها الشديد لنابلس والفرق بينها وبين مدينة جنين. نابلس التي تضج وأهلها بالحياة وفقاً لرأيها وأن جنين عكس ذلك. فيختصر عليها "أبو فؤاد": " بتقدري تقولي إنه جنين هي مدينة البؤساء". 

 

  • طالبة في دائرة اللغة العربية والإعلام بالجامعة العربية الأمريكية

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018