"تكوين".. مشروع فني لأرشفة المباني القديمة

 

تُعتبر المباني القديمة في أي مدينة، الإرث المعماري الأول، الذي يُشكل فرصةً للأجيال الجديدة خاصة، للتعرف على شكل المعمار الذي كان سائداً خلال الفترة الماضية، لكن من غير المؤكد أن هذه المباني باقيةٌ إلى الأبد، فقد تمحوها الرغبة في الاستثمار في أية لحظة، أو ربما يُرهقها التهالك الذي هي عليه، فتسقط دون سابق إنذار، لكن عاصم ناصر وأشرف أبو جعفر في رام الله، استحدثا طريقةً لحفظها في الذاكرة.

يقول ناصر، وهم مصمم جرافيكي من طولكرم: "إن المعمار جزءٌ مهمٌ من حياتنا، وإنها خسارة كبيرة أن نترك المباني القديمة؛ العادية منها والمعروفة، دون تأريخٍ أو أرشفة؛ لذا فكرنا عبر مشروع تكوين بصنع مجسماتٍ شبه مُطابقة لهذه المباني، عبر استخدام ما توفره البيئة المُحيطة من مواد وأدوات بسيطة، تتواءم مع طبيعة المُجسم والفكرة، كما أننا نعمد إلى صنع اللوحات المُجسمة؛ حيثُ نختار الجزء الأهم من المبنى، الذي يُشكل هويته أو البطاقة التعريفية له، ليكون عملاً فنياً بامتياز".

أما أبو جعفر من نابلس فيقول: "هذا المشروع يُشكل دعوةً للمؤسسات المختلفة، لا سيما المهتمة بترميم المباني القديمة؛ للالتفات أكثر ليس للمباني القديمة وحسب، بل لتفاصيل المعمار التي قد تنحصر بقوسٍ، أو بابٍ قديم، أو حتى مدخل منزلٍ في أزقة رام الله والبيرة".

 

آلية تطبيق الفكرة

يقوم الثنائي المُهتم بالفنون والمُحب له، بزيارة المبنى الذي قررا "تخليده"، ثم يشرعان بتصويره، قبل أن يعودا أدراجهما إلى مشغلهما الصغير في رام الله، وبدء التشاور حول آلية التنفيذ، والزوايا الواجب إبرازها أكثر في المعلم المعماري، وخلال المراحل التطبيقية يُبدي عاصم وأشرف انسجاماً عالياً في تبادل الأدوار؛ فربما يشرع الأول بالرسم على لوحة (الكلكل)، فيما يروح الآخر للحفر عليها، لتشكيل حجر (الطبزة)، أحد أنواع الحجر المُستخدم في البناء الفلسطيني في الماضي خاصة، وفي حال عجز أحدهما عن المواصلة من النقطة التي بدأ منها، يُكمل عنه الآخر، فما يعنيهما ليس تقاسم الأدوار، أو التنازع على (السيادة) في العمل الفني، بل التكامل للخروج بعملٍ فنيٍ جيد.

 

تسوُّق في الحاويات

يستبعد أغلب الناس أن تكون الحاجة لتجسيد أي عملٍ فني، قد تستدعي منطقياً البحث عن مكوناته في الحاويات، لكنهما فعلاها؛ فالأخشاب المُستخدمة هي من الأثاث الذي يقوم برميه سكان المدينة، ويشمل الأمر كذلك الأدوات والأجهزة الكهربائية المنتهية الصلاحية، وألواح (الكلكل) وغيرها، كما يقوم أشرف وعاصم بتجفيف بعض النباتات الربيعية التي شكلت باختلافها استدعاءً خاصاً لديهما لاستخدامها لاحقاً، كأن تُثبَت أسفل جدار مبنى مثلاً، أو أعلى (عَقد) قديم كما الحقيقة، حيثُ تتعمشق النباتات على جدرانها وأسوارها.

أما عن أدوات (تكوين) فهي ذاتية الصنع، حيثُ يقوم أشرف وهو ذو خبرة في مجال الإلكترونيات، بصنعها من وحي مخيلته وتقديراته الابتكارية التي دعت شريكه عاصم للقول: "هذه الأدوات والماكينات لن يجدها أحد إلا لدى أشرف".

 

تدخلات فنية

إن أي عملٍ فني لا يحمل الجديد، لن يحظى بالمتابعة، كما لن يُشكل شعوراً بالإثارة لدى الجمهور، لذا حرص الشابان على إبراز الهوية الفنية الخاصة بهما، من خلال مجموعةٍ من (التدخلات) الفنية بالألوان، والإضافات المعمارية البسيطة، والمدروسة في آن، دون خدش أصلية المكان أو حقيقته، ويوضح عاصم أنّ الأمر هنا باختصار، محاولة لاستحضار حال المكان بالأمس؛ حيثُ كان يعج بالحياة، فيما يعتبر أشرف أن هذه المرحلة لا تحكمها قواعد بل تُحددها الفكرة.

 

آفاق للغد

لم يخرج مشروع تكوين للنور بعد، حيثُ ما زالت الفكرة مُقتصرة على مدينتي رام والبيرة، حيثُ يقطن القائمان عليه، ليشمل بعد ذلك العديد من المدن الفلسطينية، كما يستعدان لافتتاح معرضهما الأول بعد قرابة ستة شهور، لكنهما شرعا بترويج الفكرة على مواقع التواصل الاجتماعي، كالفيسبوك؛ لاختبار ردة فعل الجمهور، ومن الجدير بالذكر أن أبو جعفر وناصر، اللذين تلقيا العديد من التدريبات حول تصميم الجرافيك، وتجمعهما روابط مشتركة في حب الفنون على أنواعها، لا سيما البصرية، لم يقتصر عملهما على ما يبدو على المباني القديمة، وتفاصيل المعمار، بل تناولا بعض مظاهر الحياة اليومية في المجتمع الفلسطيني؛ كعربة (الحِسبة)، في محاولة على ما يبدو لخلخلة الانطباعات النمطية عن الفنون، وتحريك المياه الراكدة، بأن كفانا تخاصماً مع مفهوم الفن، الذي ما زال حكراً على مدارس، وتوجهات، وتناولاتٍ غربية، غريبة عن مجتمعنا واهتماماته الحياتية الخاصة.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018