المسجد العمري في غزة.. رائحة الأقصى التي يشمها المحرومون

 

يواظب الحاج ياسر فلفل (78 عاما) على أداء الصلوات الخمس داخل المسجد العمري الكبير، منذ أكثر من 35 عاماً، دون انقطاع أو ملل، أو أن يسمح للظروف لتقف عائقا أمام أجمل  الأماكن التي يفضلها بعد منعه من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي من مغادرة غزة وزيارة المسجد الأقصى المبارك.

الحاج فلفل دائماً يأخذ ركناً بعيداً ومتوارياً قليلاً بين زوايا المسجد العمري المتباعدة، ويمسك بيده مصحفاً كبيرا، ويبدأ بقراءة ما تيسر له من كتاب الله، حتى تقام الصلاة ويصليها جماعة برفقة المئات من المواطنين الذي رأوا في أقدم مساجد غزة عنواناً للتهجد والصلاة وقراءة القران.

يقول الحاج فليل لـ"الحال": المسجد العمري بالنسبة لي هو الحياة والروح الملتصقتان، ولا يمكن أن تفرقهما إلا بالموت فقط.

 

رائحة الأقصى في غزة

يضيف الحاج فلفل: "أصلي في أقدم وأجمل مسجد في قطاع غزة منذ أن سكنت منطقة وسط البلد لأكثر من 35 عاماً، وإذا لم تخني الذاكرة، فأنا لم أتغيب عن هذا المسجد ليوم واحد طوال السنوات الأخيرة الماضية، لأنني أجد فيه من الراحة والهدوء والطمأنينة ما لا أجده بأي مسجد آخر".

ويتابع: "حين أدخل البوابة الرئيسية من هذا المسجد، أشعر أنني أدخل المسجد الأقصى المبارك، الذي منعني الاحتلال الإسرائيلي من الوصول له، فأشم به رائحة الأقصى وأجلس في باحاته كأن روحي انتقلت للقدس التي لا يستطيع الاحتلال منعها".

وعلى مقربة من الحاج فلفل، يجلس أبو ياسر المصري (59 عاما)، الذي فضل أن يشاركنا الحديث حول أهمية المسجد العمري بالنسبة لسكان غزة، فقال: "ورثت حب وعشق هذا المسجد الكبير عن والدي الذي توفي داخل المسجد في صلاة الفجر قبل 20 عاماً تقريباً، ولا أزال حتى اليوم أصلي بنفس المكان الذي كان يصلي فيه والدي".

ويتابع المصري حديثه، لصحيفة "الحال": بالنسبة لأهل غزة فالمسجد العمري هو المسجد الأقصى الثاني، وكل من حرم من الصلاة بالأقصى يأتي هنا ويعيش بعض الأجواء المشابهة للأقصى الشريف، من حيث المساحات الكبيرة وتنوع زوايا المسجد ونشاطاتها إضافة للأبنية والأحجار والغرف التراثية والجميلة التي بداخله".

ومع بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، منعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، الغزيين، من زيارة المسجد الأقصى.

والمسجد العمري الكبير يتواجد في حي الدرج وسط مدينة غزة، وهو أحد أبرز المعالم الإسلامية والأثرية في فلسطين، ويعد شاهداً على تاريخ فلسطين عبر العصور بدءًا بالحضارة الرومانية وانتهاءً بالحضارة الإسلامية.

وتبلغ مساحة هذا الصرح الأثري 4100 متر مربع، ومساحة فنائه 1190 مترا مربعا، وتلامس جدرانه السميكة التي يفوح منها عبق التاريخ بيوت ومحلات مدينة غزة القديمة، وسمى بـ"العمري" نسبة إلى عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين وصاحب الفتوحات، وبـ"الكبير" لأنه أكبر جامع في غزة.

 

العمري في رمضان

في شهر رمضان الكريم، يطلق المسجد الكبير نكهة رمضانية خاصة وروحانيات دينية فريدة، قريبة من تلك التي تسود في المسجد الأقصى المبارك، فيتزين للشهر الفضيل، ويبدأ المئات من المصلين من أنحاء مختلفة في القطاع، بالتوافد نحوه لأداء الصلوات وقيام الليل.

وتعتبر القراءة الجيدة والصوت الجميل من الأسباب الرئيسية في جذب المصلين، فالمسجد العمري يعتمد في شهر رمضان على توفير أئمة ذوي كفاءة وإتقان في قراءة القرآن الكريم وبأصوات وجميلة.

ويشهد المسجد العمري عدداً من الأمسيات الإيمانية بعد صلاة التراويح في ساحة المسجد، يتخللها توزيع المشروبات الساخنة كالشاي والقهوة على الحاضرين، بالإضافة إلى مسابقات متنوعة وحلقات إيمانية، كما يشهد المسجد العمري مشاريع إفطار صائم وموائد خيرية يقوم عليها أهل الخير وعدد من المؤسسات الخيرية.

وقد بات هذا المسجد قبلة قاصدي الراحة في قراءة القرآن وأداء الصلوات والتهجد وحتى الاستلقاء من الحر وزحمة المدينة، فتجده على مدار الساعة في الشهر الفضيل يعج بالزوار والمواطنين من كل حدب وصوب.

ويوضح ياسر هنية، أحد المشرفين على المسجد العمري الكبير، لصحيفة "الحال"، أن المسجد يستقبل في شهر رمضان على وجه الخصوص آلاف المواطنين من كافة أنحاء قطاع غزة، نظراً لاتساع مساحته وتشابهه مع باحات المسجد الأقصى المبارك.

ويشر هنية إلى أن عدد المصلين في العشرين يوماً الأولى من شهر رمضان يتجاوز الـ4 آلاف مصلٍّ خاصة في صلاتي التراويح والفجر، مؤكداً أن العدد يرتفع لأكثر من ذلك في العشر الأواخر من شهر رمضان، وصلاة العيد.

ولموقع المسجد العمري خصوصية مهمة باعتباره مكوناً مهماً من مكونات وتخطيط المدينة الإسلامية، إذ يقع في قلب البلدة القديمة لمدينة غزة التي كانت تشتمل سابقاً خلال الفترة الإسلامية على المسجد الرئيسي وسوق القيسارية، والمارستان "المستشفى"، وحمام السمرة، وقصر الباشا، علماً أنها تقع في محيط واحد. 

وتقترب جدران المسجد من الناحية الشرقية من مقبرة آل الغصين، فيما يلاصق سوق "القيسارية" الجدار الجنوبي للجامع العمري، ويعود بناء السوق إلى العصر المملوكي علماً بأنه يتكون من شارع مغطى بقبو وعلى جانبي هذا الشارع حوانيت صغيرة مغطاة بأقبية متقاطعة، فيما يطلق عليه سوق "القيسارية" أو سوق "الذهب" نسبة إلى تجارة الذهب فيه. 

ومرت عملية بناء المسجد العمري الكبير الموجود حتى يومنا هذا على عدة مراحل، حيث بني في العصر الصليبي "المبنى البازيليكي" الذي يتكون من ثلاثة ايوانات أوسعها الذي يقع في الوسط، فيما يغطي هذه الإيوانات الثلاث سقف "جمالوني الطراز". 

ويتسع "المسجد العمري" حاليًا لأكثر من ثلاثة آلاف مصل، ويضم في طابقه الأول قاعة رئيسية للصلاة ومصلى للنساء، في حين يضم في طابقه العلوي مدرسة لتعليم القرآن الكريم، أما الطابق السفلى فيحتوي على قاعة استقبالات وقاعة أثرية يتعدى عمرها ألفي عام مجهزة لتكون متحفا إسلاميًا. 

وتقول هيام البيطار، الباحثة في الآثار ومديرة الدراسات والأبحاث بوزارة السياحة: "إن الجامع العمري الكبير واحد من أقدم المساجد الأثرية في غزة والأقدم بعد القدس، وكان يستخدم كمعبد رئيسي حينما كانت غزة تدين بالديانة الوثنية في عهد الرومان، وجرى تحويل المعبد إلى كنيسة في العصر البيزنطي بعد الاعتراف بالدين المسيحي كدين رسمي للبلاد وتلاشي الوثنية".

وأشارت إلى أنه بعد الفتح الإسلامي على يد الصحابي الجليل عمرو بن العاص في عهد الخليفة عمر بن الخطاب دخل معظم أهل مدينة غزة في الإسلام، فطلبوا من الخليفة تحويل الكنيسة إلى جامع، فوافق على ذلك، وأطلق عليه "الجامع العمري الكبير". 

وأضافت البيطار، أنه خلال فترة الاحتلال الصليبي عام 1149، تم تحويل "الجامع العمري" بعد تدميره إلى كنيسة ضخمة سميت باسم "كنيسة القديس يوحنا"، وكان لانتصار المسلمين على الصليبيين في موقعة حطين على يد القائد صلاح الدين الأيوبي عام 1187 الأثر الكبير في كسر شوكة الصليبيين والحد من نفوذهم وسيطرتهم على فلسطين إلى أن تم تطهير البلاد تماما منهم في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي في عهد المماليك. 

واستطردت البيطار: "تمكن المماليك آنذاك من إعادة مكانة "الجامع العمري" مرة أخرى، خاصة أن السلطان المملوكي الظاهر بيبرس أنشأ مكتبة الجامع التي كانت تضم آنذاك أكثر من عشرين ألف مجلد في مختلف العلوم".  

وخلال الحرب العالمية الأولى بين 1914 و1918، أصيب المسجد العمري بأضرار فادحة حينما قصفته الطائرات البريطانية بدعوى وجود ذخائر تعود للقوات العثمانية مخزنة في المسجد، وهدمت أجزاء كبيرة منه، كما فقدت المكتبة التي أنشأها الظاهر بيبرس عندما زار غزة، وتم ترميم المسجد من قبل المجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين ما بين عامي 1926 - 1927.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018