الفضائيات والنزول للشارع

 

مع نشر هذا المقال، سيكون شهر رمضان الكريم قد عد أيامه الأخيرة، وعندها سيكون من المفيد العمل على تقييم أداء الفضائيات الفلسطينية الكثيرة في الشهر الفضيل، الذي تحول إلى شهر للتنافس على المتلقي بطريقة تزداد شراسة مع تتابع السنوات.

ولتكن هذه مجرد افتتاحية تعتبر مقدمة للوصول إلى كشف حساب يرتبط بالشاشات الفلسطينية التي يزيد عددها عن الـ 10 وعلاقتها مع الشهر الفضيل، فطالما انخرطت في هذا التنافس أو ظنت نفسها فاعلة ذلك، فعليها أن تطرح الأسئلة وتجري التقييمات اللازمة.

بداية، نرى أن مجمل التجربة الفضائية الفلسطينية حتى اللحظة لا تبشر بالخير الكثير، إنها تتطور بطريقة سلحفائية، وهي تجربة تجعلنا نتسمر أمام مقولة نرددها دوما في العمل الصحفي ومفادها: "لدينا صحفيون وليس لدينا صحافة"، وهي مقولة تتعزز بمسلمة مفادها ان الفلسطيني يبدع في العمل الإعلامي في المؤسسات العربية والغربية لكنه عاجز أو لا يجد الفرصة للإبداع في المؤسسات الإعلامية الفلسطينية.

سياحة عامة في الفضائيات الفلسطينية والتفتل في جزء كبير من برامجها ومسلسلاتها تكشف عن مأزق كبير تمر به هذه الشاشات، رغم كوننا نعي ان جزءا منها حديثة العهد في التجربة الفضائية، إضافة لوجود تجارب لفضائيات جامعية وليدة، وينقص جزء كبير منها الميزانيات الضخمة التي يتطلبها العمل التلفزيوني، إلا ان ذلك لا يبرر لها ذلك الأداء الركيك والأعمال التلفزيونية الضعيفة مضمونا وشكلا فنيا.

هذا المأزق سنركز فيه على جزئية واحدة ويمكن لها أن تمتحن وتختبر مع نهاية الشهر الفضيل، وتتمثل في النزول للشارع، فكلمة السر في أغلب الفضائيات الفلسطينية (رسمية وحزبية وخاصة وجامعية) كانت النزول للشارع، ليبدو أن هذا الشكل البرامجي التقليدي بمثابة البرنامج الثابت لجميع الفضائيات، وكأنها تذكرت أن هناك شارعاً للمدن والبلدات الفلسطينية يمثل حياة المجتمع ويعكسها وأصبح يهمها رأيه أو تريد أن تختبر معلوماته ليحصل على الجوائز أو يدلي بدلوه بالصيام والإفطار.

هذا الشارع، الذي يعتبر منجماً حقيقياً لأي شاشة تضع الجمهور نصب عينيها، وذلك فيما لو استثمر على خير ما يرام، أما الارتماء بالشارع وجعل الكاميرا المحمولة تتجول فيه وتتحدث مع من تصادفه من بشر بكم الأخطاء الفنية وغياب الإعداد الجيد والضيوف المناسبين، فيحول هذه الطاقة والجهد المبذول إلى مجرد حلقة تلفزيونية ارتجالية تقليدية وروتينية تحتوي على كل ما يبعث على الملل والأسى.

هذا الخروج للشارع نهاراً وليلاً والحديث مع الناس بذات الأسئلة العامة وقيام الكاميرا برصد ذات الاجابات الموحدة أو البلهاء أو البعيدة عن العمق أو فاقدة القيمة أفقد الميدان أو الشارع جدوى الخروج إليه، وهو يذكرنا تماما بالشاشتين السورية والأردنية أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات.

يتعمق هذا المأزق مع بعض الضيوف الذين جلبوا إلى الشارع أو تم تحضيرهم للحديث على عجل أو زارتهم الكاميرات في بيوتهم ومحلاتهم ومن دون أي استعداد أو اختبار لقدرتهم على الظهور على الشاشة من أصله، فكانت النتيجة مأساوية للغاية من ناحية الشكل الفني، وعلاقة الضيف مع المشاهدين، وقدرته على الرد على أسئلة الكاميرا.

في مثل هكذا حالات، لم يكن أمام الشخص الذي يقف خلف الكاميرا إلا معاندة النتيجة على الشاشة محاولا الالتفاف على إجابات الضيف المقتضبة عبر إعادة السؤال وفي داخله جزء من الجواب ولكن من دون أي نتيجة تذكر.

السابق غيض من فيض، لكن الجوهري هنا ان الشارع يعد أهم برنامج تلفزيوني قد تقدمه شاشة فضائية لجمهورها لكن التعامل معه باستسهال وارتجالية مفرطة يحوله إلى لعبة خطرة، وهو الأمر الذي فعلته أغلب الشاشات الفلسطينية. 

غير أن الفرق بائن بين "ممارسة اللعب بالكاميرا" و"العمل التلفزيوني الاحترافي"، وبعض الشاشات العربية غير بعيدة عن متناول المشاهد الفلسطيني.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018