التغريد بالعبرية.. سلاح ناعم يقارع الرواية الإسرائيلية

 

شاهدناها أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر بغزة حيث الاعتصام الأسبوعي لأهالي الأسرى، وكغيرها من الصحفيين، أجرت مقابلات مصورة، لكن المختلف الذي أثار انتباه الجميع من حولها أنها ختمت تقريرها برسالة باللغة العبرية.

 

استغلال المنصات

اختارت دينا أحمد طالبة الصحافة والإعلام بالجامعة الإسلامية أن تسلك طريقاً مختلفاً عن غيرها من الشباب في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، فقررت التغريد باللغة العبرية لتخاطب المجتمع الإسرائيلي برسائل مختلفة بعد أن تعلمت اللغة وأتقنتها.

وعن هدفها من تعلم العبرية تقول دينا: "عندما تعلمت العبرية كان هدفي أن أقرأ واستمع لما ينشر في الإعلام الإسرائيلي، وشيئا فشيئا شعرت بأهمية أن يكون لدينا نحن أيضا رسالتنا الخاصة بنا والتي يجب أن تصل  للمجتمع الإسرائيلي".

وتصف دينا استخدام الشباب عموما لمواقع التواصل الاجتماعي بالسطحي والهش، خصوصا التغريد عبر منصة كالفيسبوك، فلا احد يلتفت لنا ولا إلى رسائلنا وكأننا نتحدث إلى أنفسنا عن معاناتنا، في حين يمكن استغلال هذه المواقع بشكل أفضل ومخاطبة العالم بلغاته المختلفة.

دينا تحدثت عن بداية تجربتها في النشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي فقالت: "بعد أن تعلمت اللغة العبرية في مركز متخصص وأتقنتها بشكل كبير قررت أن أسجل رسالة وأنشرها عبر اليوتيوب ومواقع التفاعل الاجتماعي شرحت من خلالها حقنا في ارض فلسطين وأن الاحتلال سلبها منها وعلى المحتلين تركها".

تصف دينا الرسالة الأولى بالقاسية والغليظة وأنها احتكمت لعاطفتها الفلسطينية الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة بدت في التعليقات على الفيديو حتى وصفها بعض النشطاء الاسرائيليين بالإرهابية.

 

رسائل إنسانية

استعانت دينا بأساتذتها في المركز وبعدد من الإعلاميين، حتى تعلمت كيف تقدم رسالة إنسانية تخاطب بها العقل الإسرائيلي، فحسب قولها: "هنالك بعض اليهود غير عنصريين وبعضهم قد يتعاطف معنا كفلسطينيين عندما يشاهدون حجم الألم الذي نعيشه".

رسائل دينا ركزت على الوضع الإنساني في قطاع غزة الذي يتفاقم، خصوصاً أوضاع المرضى وصعوبات السفر إلى الخارج. وفي الفترة الأخيرة كثفت من رسائلها المتعلقة بشؤون الأسرى تزامنا مع إضراب الأسرى داخل سجون الاحتلال.

في أحد الفيديوهات، قالت دينا باللغة العبرية موجهة حديثها للمجتمع الإسرائيلي: "مثلما لديكم مفقودون، هنا في قطاع غزة نحن أيضا أبناؤنا في سجونكم، وكما تشعرون بالخوف على أبنائكم، نشعر بالخوف والحنين والاشتياق لأبنائنا".

وحسب حديث دينا، فالتعليقات على الفيديو من بعض النشطاء الاسرائيليين كانت إيجابية مقارنة بالفيديو الأول وبعضهم أبدى تعاطفا مع حقوق الأسرى.

 

إعلام مضاد

وعلى أهمية التغريد عبر مواقع الإعلام الاجتماعي بمختلف اللغات، لكن تبقى هنالك خصوصية للتغريد باللغة العبرية وهو بمثابة اختراق للمجتمع الإسرائيلي ومخاطبته بفكرنا ورسائلنا وأسلوبنا كفلسطينيين حسب رأي الإعلامي والباحث الدكتور عماد محسن.

ويقول محسن: "معروف ومنذ عشرات السنوات كيف يجند الاحتلال وسائل الإعلام المختلفة لخدمة أهدافه الأمنية والسياسية وعلى كل المستويات، وبالتالي رسائل الاحتلال تصل لنا كشعب فلسطيني وتصل للعرب وتصل لكل العالم، وهو الأمر الذي نفتقده نحن بسبب ضعف الخطاب الإعلامي"، مضيفا: "إعلامنا الفلسطيني للأسف يغرد وحده، فالرسالة تصل بشكل ضعيف للعالم الغربي، وشبه غائبة عن المجتمع الإسرائيلي، ولذلك خيارنا الأمثل والأوحد هو الإعلام الاجتماعي".

ويرى محسن أن منصات الإعلام الاجتماعي فيها الكثير من المميزات التي تجعلها لا تقل  أهمية عن الإعلام التقليدي بل وتتفوق عليه كحرية التعبير والتغريد وسهولة النشر دون رقابة، وبالتالي يجب أن تستغل هذه المواقع لنوصل صوتنا الفلسطيني للمجتمع الإسرائيلي الذي لا يتلقى سوى رسالة واحدة من طرف واحد ألا وهو إعلامه الإسرائيلي الذي يتلقى تعليماته من القيادة الأمنية والسياسية.

 

مخاطبة الآخر

ويدعم مدير مركز نفحة لشؤون الأسرى والدراسات الإسرائيلية أحمد الفليت الرأي الذي يؤكد أهمية تعلم اللغة العبرية ومخاطبة المحتل بنفس لغته، فتعلم العبرية من وجهة نظره ليس بالأمر الاختياري، ولكنه ضرورة بفعل ارتباطنا بالاحتلال.

الفليت، وهو أسير محرر، يشير إلى أن غالبية السياسيين الإسرائيليين والمفكرين والأكاديميين  والإعلاميين الإسرائيليين يتعلمون اللغة العربية ليفهموا خطابنا السياسي والإعلامي وليتقنوا رسالتهم الموجهة لنا، وبالتالي وانطلاقا من مقولة "من تعلم لغة قوم أمن شرهم"، فعلينا نحن أيضا أن نتعلم لغة عدونا لنقرأ إعلامه بشكل صحيح ونستطيع مخاطبته.

ويقول الفليت: "على الرغم من أهمية تعلم اللغة، لكن الأهم هو كيفية توظيفها بالشكل المطلوب بما يخدم أهدافنا، وعلى رأسها أن يعرف المجتمع الإسرائيلي ما الذي تقترفه حكومته بحق أبناء الشعب الفلسطيني وبحق أرضه المحتلة وفضح هذه الممارسات". 

وعن تجربة دينا التي وصفها بالنوعية، أكد الفليت دعمه لكل الشباب الذين يقدمون على هذه الفكرة، خصوصا أنه لا مجال للوصول إلى المجتمع الإسرائيلي إلا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي من خلالها يمكن الوصول إلى كل بيت وشرح ما يحدث وشرح معاناة أهل غزة على سبيل المثال نتيجة إجراءات حكومة الاحتلال ما قد يكسبنا تعاطفهم معنا على الأقل.

ويرى الفليت أن هذه التجربة يجب أن يبنى عليها ولكن بإشراف مختصين من متقني اللغة العبرية، حتى لا يقع المغردون في أخطاء لغوية، وبمساعدة أساتذة الإعلام لتوجيه الرسالة الصحيحة في الوقت المناسب.

الفليت يؤكد أن الحرب مع الاحتلال مفتوحة والقول الفصل ليس للبندقية فحسب وإنما كل ساحات المعارك يجب أن تستغل وعلى رأسها الإعلام بشكل عام والإعلام البديل على وجه الخصوص.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018