أسرار عروس العم أبو القاسم

 

عروس شارف عمرها على لقاء العقد الخامس، زيّها برتقالي اللون تحتفظ به من يوم ميلادها، ما جعلها نضرة البشرة والمظهر، على الرغم من كبر سنها، وسن عريسها التعسيني الذي قال: "رفضت كل الإغراءات التي وضعت أمامي للتخلي عنها".

عروس التسعيني الحاج محمد قاسم "أبو القاسم"، هي مركبة قديمة من نوع "فولسفاجن"، يعرفها أهالي بلدة سلواد بشكل خاص، وأهالي ورواد محافظة رام الله والبيرة بشكل عام، إذ ركنها صاحبها لأعوام طويلة أمام محله التجاري الواقع في حسبة رام الله، والذي تقافز -وما زال- يتقافز على ناصيته الأولاد ودموعهم وصرخاتهم؛ لشراء الألعاب، ما جعل السيارة ذات اللون البرتقالي تبقى محتفظة في انعكاسات مراياها، بذلك المشهد.

 

نمرة 74  

"اشتريتها جديدة، وكأنها بورقتها التي لفت بها لأول مرة، ولم تخطُ أية خطوة إلا حينما جلست على مقعدها"، يقول الحاج قاسم، والحديث هنا يعود إلى العام 1974، حيث استعملها في جلب البضاعة لمحل الألعاب، من تل أبيت وحيفا وغزة. 

وبوصفه لواقع المركبات في ذلك الوقت، يقول الحاج أبو القاسم: "في سلواد لم تكن سوى سيارتين او ثلاث"، في إشارة إلى ندرة المركبات الخاصة، آنذاك، في الوقت الذي لا يتوقف الشارع الرئيسي في بلدة سلواد اليوم، عن حركة المركبات واكتظاظها على جنبات الطريق. 

ويعشق الحاج قاسم المركبات التي يشتريها، ولا يفرط فيها بسهولة، حتى وإن طعنت بالسن، ويقول: "قدرت أحافظ على هذه السيارة، لان قيادتي لها كانت وما زالت بهدوء ولطافة"، وهذا ما دفعه إلى الحديث عن السائقين في هذه الايام، تحديدا الشباب منهم فقال: "اليوم تمر من أمام المدرسة وتشاهد سرعة السائقين، متجاهلين حساسية المكان ووجوب الحذر عنده".

"أنا أحافظ على السيارات من باب الهواية"، يقول الحاج أبو القاسم، موضحا انه إلى جانب مركبته البرتقالية هذه يملك مركبة أخرى من نوع "اودي" ذات لون أحمر، يصفها في حديثه: "الذي يشاهدها لا يصدق أنها تسير"، نطق هذه الكلمات وهو يرسل ابتسامة من قلبه استقرت على شفتيه وعينيه اللتين أغمضتا وهما تستعيدان ذكرياتهما مع تلك السيارات. 

عروس أبو القاسم النادرة، كانت محط أنظار المعجبين ويُسأل دوماً عن إمكانية بيعها، ولما سألته عن عدد من تقدموا لها ضحك ثم قال "أووووووه تسألش"، في تعبير يوضح مدى جذب "العروس" لأعين وقلوب من يشاهدها، فهي تسير بخطى واثقة في الطرقات، ويضيف: "ردي على هؤلاء كان دائماً "لا"، وقلت في إحدى المرات لشخص أراد شراء عمارة أملكها في رام الله قصفها الاحتلال: أنا عندي "كراكع" سيارات ما ببيعها، كيف بدي أبيع العمارة" يقول أبو القاسم. 

وكانت عروس أبو القاسم شهدت على مراحل متعددة من التاريخ الفلسطيني، لا سيما الانتفاضة الاولى التي امترج دخانها بدخان الإطارات التي أشعلت في الطرقات، ويقول الحاج عن تلك الفترة التي اعتبرها من أصدق مراحل النضال الفلسطيني: "لم أستطع أن أدخل السيارة إلى داخل البلدة، إذ كانت كل الطرقات مرصوفة بالحجارة، وبالفعل الانتفاضة الاولى هي الانتفاضة الحقيقية". 

 

من حيفا البداية

وكان الحاج محمد قاسم قد ولد وترعرع في مدينة حيفا، ولم يستطع اكمال تعليمه بعدما خرج من من الصف الثالث الابتدائي، لما وقع عليه من التزامات لإعالة أسرته، لينتقل إلى العمل في بيع الخضار، مستذكراً حادثة مؤلمة وقعت في سوق حيفا في شارع الملوك: "جاء يهودي ووضع قنلبة في الحسبة، حولت كل من كان هناك إلى جثث هامدة، ولم يستطع الناس التعرف على اصحابها فيما بعد"، كما يروي ابو القاسم. 

ومع سقوط حيفا في شهر أغسطس من العام 1948، رحل هو وعائلته عبر البحر إلى عكا، وكان يعمل آنذاك سائقاً في بلدية حيفا، ومن عكا إلى صفد، مروراً بطبريا والناصرة والعفولة وجنين ثم نابلس، حتى حطت أقدامهم في بلدة سلواد، موضحاً أن الصهاينة أتاحوا كل السبل كي تتم عملية التهجير القسري للفلسطينيين عن أراضيهم. 

وأثناء تواجد الحاج أبو القاسم في سلواد وهو يجلس على مقهى في البلدة، مرت شاحنة محملة بالطحين، أعجبته، فانتهز الفرصة هو وصديقة وتقاسما ثمنها، وأصبح ينقل عليها العنب والتين والقطين والحجارة من قرية سلواد إلى مدينة عمان في الأردن، قبل ان يعمل على باص لنقل الركاب من سلواد إلى رام الله، وكان تحركه مرة واحدة ذهابا ومثلها في الإياب، "الناس كانت تتحمل بعض، أركن الباص عند التوتة في البيرة وينتظر الجميع آخر راكب حتى يصل"، يقول ابو القاسم.

وقبل ان يشتري محل الالعاب في مدينة رام الله، سافر لأول مرة إلى أمريكا في عام 1956 وصار يمضي نصف السنة في فلسطين والنصف الآخر في أمريكا، واليوم يطلب أولاده منه الاستقرار معهم في أمريكا، لكنه يرفض ويقول لهم: "عقلي في الوطن هان، وسلواد عندي أهم من أي بلد في العالم". 

 

  • طالب في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018