ويتذكر استشهاد أبو الفحم خلاله السبعيني لولح يتحدث عن إضراب الأسرى عام 1970

 

يجمع السبعيني أسعد عبد الكريم لولح بين عورتا بمحافظة نابلس وخان يونس، فقد ولد في غزة وعاش فيها حتى نكسة 1967، ثم تعرض لملاحقة الاحتلال، ففر إلى عورتا، حيث تسكن خالته. واعتقل في المكان نفسه الذي أقيمت عليه مستوطنة (ايتمار) بعد مطاردة سنتين، وأعيد نقله إلى سجن غزة، وكان رفيق أول شهيد للحركة الأسيرة: عبد القادر أحمد أبو الفحم، الذي قاد أيضًا معركة الدفاع عن غزة.

يروي:  نقلنا الاحتلال من نابلس إلى سجن غزة، ثم وصلت عسقلان بظروف صعبة جدًا، وكانوا يحضرون لنا ملابس الأسرى المصريين، وغالبًا ما تكون ممزقة وخشنة أو ليست على مقاسنا، وأجبرونا على ارتداء أحذية عسكرية وجوارب صوف في عز الصيف، يمنع خلعها إلا في آخر جولة عدد مساء.

 

إذلال فإضراب

ومما يسكن ذاكرة لولح، كيف كان الأسرى يجبرون على وضع أيديهم خلف ظهورهم، ويمنعون من رفع رؤوسهم، ويُطلب منهم قبل الحديث مع السجان، نطق كلمة (يا سيدي)، ويواجهون الإذلال بصورة  قاسية، ولا يخرجون من الغرف إلى ساحة السجن إلا عشر دقائق في اليوم.

يقول: قررت قيادة السجن خوض أول إضراب عام 1970، واتفقنا في ساحة السجن على إعادة وجبة الغداء يوم خميس، ليبدأ التنكيل بالحركة الأسيرة، وبأساليب وحشية كالضرب ورش المياه، والمنع من صلاة الجماعة، أو قراءة القرآن، ثم صرنا نربط  أجزاءً من المناشف على أجسادنا من شدة الجوع، ونعيد تضييقها في اليوم التالي.

ويتابع لولح: كان أول إضراب عن الطعام صعبًا جدًا، وصرنا نفقد من وزننا، ونشعر بدوار وغثيان، ولم يكن هناك أي تغطية إعلامية لما يحصل، حتى أهلنا لم يعرفوا بوضعنا، ولم تصل أخبارنا خارج المعتقل، إلا بعد استشهاد أبو الفحم (في 11 تموز 1970).

واستنادًا إلى الراوي، فقد سعى رفاق أبو الفحم (أو أبو حاتم كما كان يحب تسميته) إلى منعه من الإضراب؛ بسبب وضعه الصحي الصعب، إلا انه أصر على موقفه، وحين تدهورت حالته، ادعى السجانون إخراجه إلى العيادة، وفي المقابل طلبوا من لولح، والشيخ طاهر شبانة مشاهدة صاحبهم.

 

رسالة بالدم

يسرد: رأينا الأنابيب في أنف أبو حاتم، والدم ينزف ويغطى أرض الزنزانة، وعلمنا لاحقنا أنها تصل إلى المعدة، فقد كان مستهدفًا، وبدل تغذيته القسرية لكسر إضرابه، خرج الدم من معدته، واقتربنا منه، فوجدناه يلفظ أنفاسه، فصرنا نصرخ ونُكبّر، وشاهدنا الدم على أصبعه، ثم سبّلنا عيونه، واستنفرنا في السجن، وحاولنا تحطيم كل ما نستطيع الوصول إليه، لكنهم اقتحموا الغرف وقمعونا بكل قوة.

يتابع: بعد يوم من الحادثة، خدعنا الاحتلال لفك الإضراب، وادعوا إدخال طاقم الصليب الأحمر ليفاوضنا، وأخبرونا أن إدارة السجن وافقت على مطالبنا، فتوقفنا عن الإضراب، وأحضروا لنا على ثلاثة أيام شوربات، ثم اكتشفنا لاحقًا أن من ارتدى زي المنظمة الدولية هم جنود وسجانون. عقب ذلك، نقلوا معظمنا من عسقلان إلى بئر السبع، ولبّسونا ملابس خشنة جدًا، ورشّونا مادة كبريتية، واحتجزونا في بركسات (زينكو)، وأحضروا لنا لأول مرة فرشات إسفنج رقيقة، وصاروا يسمحون لأهالينا بزيارتنا مرة كل ستة أشهر، وأعطونا أربع سجائر كل يوم كانوا قد غنموها من الجيش السوري بعد احتلال الجولان، ووضعوا لنا كردلاً (وعاءً) لقضاء حاجتنا داخل الغرفة، ولم يكن يُسمح لكل واحد منا إلا النوم على جنب واحد لضيق المكان.

ولخص لولح تداعيات الإضراب  المتمثلة في  انقطاع الأخبار عن العائلة، والتنكيل الوحشي بالأسرى، ولم تصل قصتنا إلى الخارج إلا باستشهاد عبد القادر أبو الفحم.

 

مقاومة فنكسة

يقول: قبل المطاردة والاعتقال، التحقت بكتيبة "عين جالوت" التي قادها عبد القادر أبو الفحم، وفي صباح الاثنين 5 حزيران 1967، كانت فرقتنا على دوار بني سهيلا، ودافعنا ببسالة عن المدينة. وبعد سقوط سيناء وهزيمة الجيش الأردني، حوّلنا القائد أبو الفحم إلى شارع جلال، برفقة متطوعين جزائريين، وتحصّنّا في عمارة أبو عريبة بطوابقها الأربعة، وواصلنا القتال أربعة أيام، ثم انتقلنا إلى الأحراش خشية التسبب بقتل المواطنين، وصرنا نتعرض لقصف عشوائي بالطائرات، وصارت خان يونس في مرمى النار أيضًا.

شاهد الراوي ورفاقه قوة ترفع العلم الجزائري تقترب منهم، فظنوها قادمة للدعم، ليتبين أنها لجنود احتلال تنكروا بهيئة جيش عربي يشق طريقه من جهة صحراء سيناء، ما سرع في احتلال خان يونس.

ويتابع: كان القصف عشوائيًا، وقاومنا حتى الرمق الأخير، وسقط أمامي الشهداء، وشاهدت أحدهم على الأرض يمسك بأمعائه، ورأيت جثثاً منتفخة، وواصلنا الدفاع عن حي المحطة، وواجهنا آليات ومصفحات، ودبابات (من نوع بتون)، وكنا نستعد لقتال بري، ولم تكن عندنا أسلحة ثقيلة أو مضادات للطائرات، وامتلكنا فقط (أر بي جي 6)، الذي عجز عن مواجهة المجنزرة.

شاهد لولح نزوحًا كبيراً للمواطنين، واستمر احتماء الأهالي في الأحراش لشهر كامل، وبعدها بدأ جيش الاحتلال يطلق النداءات للعودة إلى الديار، فرجع الناس، ووجدا دمارًا كبيرًا في ممتلكاتهم.

ينهي: لا أنسى قصة عائلة أبو ذان، التي خسرت كل أفرادها (12 أخا وأختًا، وزوجتان) بقصف الاحتلال العنيف، بعدما احتموا في ملجأ منزلهم، لكنهم احترقوا بداخله، ولم يبق من الأسرة غير الأب.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018