مشاهد من مسلسل النكبة والتشريد.. وأمل بأن العودة حتمية

 

 

إذا سألت أي طفل يلهو بين أزقة المخيم التي حفروا على جدرانها أسماءهم وأسماء بلادهم: من أين أنت؟ فإنه يصرخ بصوتٍ عالٍ: من يافا، أو من اللد أو من حيفا.. فما زرعه الأجداد لم يذهب هباءً، حتى بعد 69 عاماً من الضياع، وما زال يخرج ثماراً طيبةً أصلها ثابت، وفرعها في السماء، إلى يوم العودة.

 

حنينٌ لبرتقال يافا                                                              

بجانب جامع حسن بك، أو كما يقال عنه "حسن بيه"، شمال مدينة يافا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، بحي المنشية تحديداً، كان الحاج مصطفى سيد الهندي (76 عاماً)، يسكن مع عائلته المكونة من أخوين وأختين يتوسطهما مصطفى في الترتيب، يعيشون حياة البساطة والرخاء، إلى أن جاء من يعكر صفو حياتهم ويقلبها رأسا على عقب.

خمس سنوات من عمره، أمضاها الحاج مصطفى على بحر يافا، الذي لم يكن لينساه يوماً، فبرتقال البلاد التي كانت تكفي الغريب قبل القريب من أهل فلسطين الذين كانوا يأتون من كل حدب وصوب، من شمال البلاد حتى جنوبها؛ لينتفعوا من العمل بالبيّارات وقت الحصاد، فذاك الذي يقطف الثمار، وتلك التي تجمعها في أوعيتها الخاصة حتى تُغلف، ويتم شحنها إلى أمريكا والدول الأوروبية بالبواخر التي استقرت على بحر يافا وعكا.

"لا عودة بعد اليوم"، جملة قالها يهودي بريطاني الأصل لمصطفى عندما خرج من بيته بعد أن أرغمه على الخروج منه، فشردوا الأهالي عن بعضهم، ويتموا أبناءهم، ورملوا نساءهم، وأرعبوا الطير والبشر.

ما زال الحاج مصطفى يستذكر أول مشاهد المخيم التي ما زالت محفورة في ذاكرته، ويقول: "وصلنا إلى المخيم ويا ليتنا لم نصل، فقد صعقنا من هول ما لمحته أعيننا، فالخيام في كل مكان، والأطفال يلهون بالطين، والثياب علقت على حبال متهرئة، نظرنا نظرة تفقد وتفتيش؛ علّنا نجد متسعاً لنا، فلا بحر هنا ولا شجر برتقال كما خُيل لنا من لفظ مخيم الزرقاء في الأردن".

 

نبضٌ من الزرقاء

أصوات الانفجارات التي عمت البلاد، وصرخات الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم في حرب 1948 ما زالت عالقة في مخيلة الحاجة وضحة الحويطات، حيفاوية الأصل، أردنية السكن والمعيشة، تروي قصة خروجها من بيتها وعمرها لم يتجاوز 10 سنوات، تاركةً خلفها ألعابها تحت شجرة الليمون والبرتقال، وتناجي ربها بأن يعود أهلها إليها.

تقول الحاجة وضحة: "أخذت أمي بجمع كل ما تستطيع حمله من متاع، فصرخ أبي قائلاً لها وما زالت كلماته عالقةً في ذاكرتي: اتركي يا مره هالخرابيش اللي دايره عليها، محنا يومين وراجعين"، فتركنا خلفنا كل ما نملك، حتى الوثائق والإثباتات بأن لنا أرضا في حيفا، وشهادات الأحياء قبل الأموات تركناها خلفنا، ومع خروجنا من باب المنزل، نظرت أمي إليه وكأنها كانت تودع كل شبر فيه، وكل حجر على جدرانه، احتضنت شجرة البرتقال وخرجت، من هنا أيقنت أن خروجنا من المنزل ليس بالأمر الهين، وأن لا عودة قريبة إليه".

تتابع اللاجئة حويطات، التي كانت السنوات كفيلة بانحناء ظهرها، تفاصيل المعاناة بعد رحلة الهجرة التي دامت أكثر من أسبوعين: "وصلنا إلى حدود مدينة قلقيلية، وأذكر جيداً أنه ومن شدة التعب كانت شقيقتي الكبرى ابنة الثمانية عشر عاماً تحمل في أحشائها طفلاً لم يئن الأوان لخروجه بعد، إلا أنه كان مصراً على الخروج إلى الدنيا، وبعد عذاب دام لساعات".

وتكمل: "لم نكن نملك القطن وأدوات التعقيم الموجودة، ولا حتى قطرات ماء قليلة، وما أن صرخ معاذ الصرخة الأولى حتى بزغ الفجر، فأجبرت والدتي على قطع حبله السري بالحجر ليظل شاهداً على مأساة شعب".

 

حمراء اللجوء

لا يزال الحاج عبد السلام حرحرة (65 عاماً) ابن مدينة يافا، يحتفظ بكل ما كان أوصاه به جده قبل وفاته، فما أن تطأ أقدامك عتبة منزله، حتى تلمح مفاتيح كبيرة الحجم معلقة على الجدار، وذاك الراديو القديم الذي تربع على المنضدة بعد أن أتعبته كثرة الترددات منذ عام 1936، وتلك الجاروشة القديمة اتخذت مكاناً لها في المنزل العصري، عدا عن الأواني وأباريق الشاي الفضية، وآلة الموسيقى التي تعود صناعتها للإنجليز قبل وقوع النكبة.

كما لا يزال الحاج حرحرة يحتفظ بالشعار النحاسي الذي كان يميز الخيول العربية عن غيرها، والمصحف الشريف الذي يستخدمه حتى الآن، وعمره أكثر من مئة وعشرين عاماً.

ولكن الذكرى الأكثر جمالاً التي انطلقت قبل تسعة وستين عاماً هي الشاحنة ذات اللون الأحمر التي هاجرت من اللد حين كانت في عمر السابعة، حاملة بعضاً من أهل المدينة، وما تبقى مما امتلكوا إلى مخيمات اللجوء، بعيداً عن أرضهم التي اقتلعوا منها عام النكبة.

يقول عبد السلام حرحرة: "ورثت هذه الحافلة عن أخوالي مالكيها الأصليين، وقد أوصوني بها قبل مماتهم، وها أنا أعتني بها أكثر من أي شيء آخر، وأوصي أبنائي بها بعد وفاتي".

ويتابع حرحرة: "هذه الحافة كانت مصدر دخل للعائلات أثناء رحلة الضياع التي عانوا منها في المرتين، أثناء النكسة والنكبة، فتارةً نقلت السكان، وتارة أخرى كانت تستخدم للتجارة، عدا عن نقلها للبريد والطلاب والحجاج، وفي موسم الحمضيات كانت خير مصدرٍ للدول العربية والأجنبية، وكذلك نقل الكاز والقزحة بين المدن الفلسطينية".

ورغم الحيل التي أراد الاحتلال من ورائها امتلاك الشاحنة، إلا أن الحاج أبو محمود يرفض وبشكل قطعي إخراجها من نابلس، خشية فقدانها، فقد عرضت عليه مبالغ مجزية للتنازل عنها، لكنه رفض".

الحاج مصطفى وعبد السلام والحاجة وضحة، هم أرشيفٌ وطني، فأصالتهم واحتفاظهم بمفاتيح ديارهم في يافا وحيفا واللد، تعطي أياً كان أملاً بأن حق العودة  قادم، فهم يؤمنون بأنهم يعيشون الآن زمن العودة لا زمن اللجوء والنكبة والتشريد.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018