كيف اختفى رعاة الأغنام من الريف؟

 

لو وقفت اليوم فوق تلة مطلة على مئات الدونمات الوعرية المخصصة للرعي، والواقعة بين تجمع قرى عجة وفحمة وكفر راعي والرامة في محافظة جنين، فلن تشاهد ولو راعياً واحداً في المكان إلا صدفة.

قبل عدة سنوات، كانت هذه المراعي العامة مليئة بالرعاة والصوامع (وهي الهرم الذي يبنيه الرعاة بالحجارة لتقسيم مناطق الرعي بينهم).

اختفت الصوامع اليوم، واختفى معظم الرعاة من الوعر.

"تغيرت السلالة"، يقول رائد بشارات مدير الارشاد في مديرية زراعة جنين، موضحا: "أيام زمان، كان المزارعون يربون أغناما من سلالة العواسي، وهذه السلالة تصعد الجبال وترعى في الأجواء الحارة والباردة وتتحمل الظروف القاسية".

والعواسي هي سلالة الأغنام البلدية أو البدوية، وتعرف خرفانها بليَّتها الكبيرة، حتى أن الفلاحين يسمون خرفانا من هذا النوع: "أبو لية".

ولسلالة العواسي مشكلة واحدة تتعلق بالإنتاج القليل من ناحية الحليب واللحوم والإنجاب، لذلك، ومع ارتفاع سعر الاعلاف وحاجة المزارعين لإنتاج أكبر يغطي التكلفة، اكتسحت سلالة العساف السوق.

"عكس سلالة العواسي، فإن سلالة أغنام العساف لا تتحمل المراعي في درجة حرارة مرتفعة مثلا، إنها أغنام بيتية وإنتاجها أكثر من البلدي"، يقول بشارات.

ويمكن قراءة أصل سلالة العساف في الموسوعة الحرة ويكيبيديا على أنها سلالة مهجنة في اسرائيل نتيجة تهجين سلالة العواسي مع سلالة الفريزيان الشرقية الألمانية.

ويقتني المزارع رفعت معالي من قرية عجة جنوب جنين قطيعا صغيرا من الأغنام في حظيرة قرب بيته، وقلما يخرج للمرعى بقطيعه لأنها من سلالة العساف والمخلاع.

يقول معالي: "المراعي فارغة ليس فقط بسبب سلالة الأغنام، الناس أيضا تغيروا في الريف، والأهم تغيرت نساء الفلاحين".

منذ مطلع الثمانينيات، عزف الناس عن تربية المواشي تدريجيا ولجأوا للعمل داخل الخط الأخضر، بعد أن كان الأغنياء يقاسون بطول قطيعهم، وكان الراعي الذي يسوق قطيعه الخاص ملك زمانه.

صحيح أن سلالة الأغنام تغيرت، لكن أشياء كثيرة تغيرت معها برأي معالي الذي يتساءل: "مَن مِن النساء ترضى أن تكنس اليوم تحت الأغنام أو تحلبها بيدها؟ من تقبل أن تحمل الروث فوق رأسها وتنشره في الشمس لإيقاد طابونها؟ من عندها طابون أصلاً؟".

انتهى دور المرأة الزراعي في الريف تقريبا، وخاصة فيما يتعلق بالثروة الحيوانية، هذا أيضا سبب لاختفاء رعاة الأغنام من الجبال.

معالي هو واحد من عدة رعاة لا يتجاوزون أصابع اليد في قريته، وكلهم كبار في السن يتسلون في تربية الأغنام تسلية، ما عدا شابا واحدا نزل حديثا إلى المرعى في الربيع.

"هاي الشغلة بدها زلام، مش مزحة إنك تكون مربي وراعي غنم"، يقول الشاب محمد عواد الذي جرب المهنة حديثا إلى حين حصوله على تصريح عمل داخل الخط الأخضر، ويضيف: "أمضيت هذا الربيع راعيا في الوعر، شعور جميل لا شك، لكنني لا أستطيع الاعتماد على ذلك فقط في رزقي، لأن قطيعا يقل عن خمسين رأسا من الغنم لا يفتح بيتا ولا يؤسس مستقبلا لشاب مثلي".

خمسون رأسا تحتاج لأربعة كباش لتهديدها، كما يقول عواد: "كله يحتاج لتنظيم وعناية خاصة، وحسابات إنجاب القطيع على دفعات كي لا يتوقف إنتاج الحليب، لكن أحيانا نفسية الكبش لا تساعد في ترتيب الإنجاب، الموضوع مش مزحة".

إن كانت المدن الفلسطينية تحت الاحتلال قرى كبيرة، فإن القرى أيضا صارت مدناً صغيرة، ولم يعد بإمكانك رؤية راعٍ يركب حماره ويقود قطيعا من الأغنام إلى المرعى في معظم مناطق الريف الفلسطيني.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018