زراعة "عيش الغراب".. واقع صعب ومستقبل غامض

 

في محاولة لتحسين أوضاعها الاقتصادية، توجهت بعض الأسر لإنشاء مشاريع فردية غير منتظمة، منها زراعة عيش الغراب، أو الفطر، لكن واقع هذه الزراعة كان أصعب من المتوقع، وتحديا محفوفا بالمخاطر والثغرات المجهول مصيرها.

يتحدث فارس القصص (26 عاما) من محافظة نابلس لجريدة "الحال" عن تجربته بزراعة الفطر فيقول: "لم أتخيل أن زراعة الفطر بحاجة لجهد ووقت وتكاليف، ظننت أن توفر البيئة المناسبة للمشروع هو الأهم، وما دون ذلك بسيط جدا، حيث زرعت عددا من الصناديق البلاستيكية بأبواغ الفطر (بذوره) في مغارة، التي تعد البيئة المثالية لنمو الفطر، لتوافر شروط الرطوبة والظلمة".

لم يكن التوجه الذي اختاره الشاب فارس بغاية السهولة، فقد توفرت البيئة المناسبة، إلا أن العقبات لا تزال تعرقل مستقبل مشروعه، التي أبرزها حسبما ذكر أن "تكاليف المشروع لم تكن متوسطة، بل مرتفعة، لأن زراعة الفطر تحتمل النجاح أو الفشل، وذلك لافتقار صاحب المشروع أو المزارع لدليل ارشادي أو دراسة مسبقة لكافة التفاصيل، بالإضافة للتسويق الذي لا يعتمد أية مؤشرات لحالة السوق وتوجهاتها أو توازن بين العرض والطلب".

في السياق ذاته، تتساءل المواطنة أم محمد، وهي أحد زارعي الفطر المنزلي في محافظة جنين عن الحلقة غير المكتملة بخصوص منتج الفطر فتقول: "زراعة الفطر تحد كبير لنا، فنحن خاطرنا بزراعته، وبعض الاحيان أجد سوقا ومستهلكين للمنتج، وفي غالب الأيام تكون كميات الفطر من نصيب عائلتي، وهذه خسارة لي، لأن الكميات تكون مخصصة للسوق وليس لعائلة واحدة".

قد يظن المستهلك أن سعر "عيش الغراب" الذي يزرع في المنازل او في الأماكن المهيأة ظروفها يعادل سعر الفطر المعلب، ما يحدث فجوة بين المنتج والمستهلك، لأن أسعاره تتراوح بين الـ30- 40 شيقلا للكيلو الواحد، وهذا الأمر، إضافة لما سبق، دفعنا للتوجه للجهات المسؤولة كي ننفض الغبار عن التساؤلات العديدة في أوساط المزارعين.

فيقول مدير مكتب وزارة الاقتصاد في نابلس بشار الصيفي: "نشجع أي مشاريع فردية أو جماعية تحقق دخلا اقتصاديا، لكن نحن لا نختص بمشروع الفطر أو مشاريع مماثلة، سواء بالانتاج أو التسويق، لأن تركيزنا ينصب على القطاعات الصناعية".

أما مديريات الزراعة في فلسطين، فقد كانت تحمل أبعادا عديدة تتعلق بمصير هذا المنتج والمشاريع الفردية المتجهة نحوه وإمكانية تنظيمها واستغلالها لتشكل رافعة اقتصادية وطنية. يقول مدير دائرة الإرشاد في مديرية زراعة نابلس ماجد الخراز حول بعض النقاط التي يجهلها زارعو الفطر في فلسطين: "زراعة الفطر تبدو مجرد قرار أو خطوة يخطوها المزارع رغبة منه في تحسين دخله، متجاهلا دراسات وأمورا معقدة مرتبطة بعدة جهات، أولها المستهلك الذي يفتقر في هذه المرحلة لثقافة هذا المنتج المحلي، ويفضل المعلب لسهولة استخدامه وتحمله فترات أطول".

ويتابع الخراز: "الاحتلال يقف أيضا عائقا أمام التنوع في هذا المحصول، فهو يفرض على المزارع الفلسطيني استيراد أبواغ غير نقية وليست نخبا أول من الفطر المحاري، مانعا استيراد أنواع أخرى من أبواغ فطر الشمبنيون التي تمتاز عن المحاري بطول عمر ثمارها وشكلها المفضل للكثير من المستهلكين، وكذلك تحملها لظروف التسويق من نقل وتعرض للهواء الجوي، بالإضافة لعدم وجود بدائل لاستيراد الأبواغ نظرا لشح الموارد وضعف الاختصاص المخبري في انتاج الأبواغ، فنحن بحاجة لطبق مخبري يصنع البذور الأم ويكاثر الأجيال النقية منها".

وتشير رئيسة قسم التخطيط في مديرية زراعة نابلس المهندسة رانيا دروزة إلى دور مديريات الزراعة في كافة المحافظات بتوجيه المزارعين وارشادهم من الصفر وصولا إلى مرحلة الانتاج، أما بعد ذلك فهو تسويق فردي غير ممنهج وبحاجة لتكاتف كل المؤسسات والجهات ذات العلاقة لإيجاد بنية تحتية توحد هذه المشاريع الفردية تحت سقف واحد وخطط بعيدة المدى لضمان الاستمرارية وتحقيق اقتصاد وطني مجدٍ".

ومن الجدير ذكره أن أول مشروع لزراعة الفطر في فلسطين هو مشروع "أمورو" في مدينة أريحا عام 2014 بدعم من البنك التجاري الفلسطيني، لكنه لم يتطور خارج السوق المحلية، وواجه المعيقات ذاتها التي تواجه المشاريع الفردية.

ويعتبر عيش الغراب معادلا للدجاج واللحم في معادنه الغذائية، كما أنه يعمل على خسارة الوزن وتقوية المناعة والعظام والوقاية من السرطان وفوائد أخرى أجمع عليها اختصاصيون في التغذية.

أما مسؤولة دائرة شؤون المرأة في بلدية محافظة سلفيت انتصار عزريل، التي أشرفت على عدد من المشاريع النسوية لزراعة الفطر، فتنوه إلى مؤشر سلبي خلال حديثها لنا قائلة: "من خلال ورشاتنا التدريبية للمشاريع النسوية لزراعة الفطر، لاحظت أن دافع الرغبة والتحدي في الاستمرارية في تراجع لدى الأفراد، فالبعض يتوقف في نصف المشروع، والبعض الآخر يتلقى الورشات والدورات التدريبية، ثم لا يستمر بالرغم من أن الدائرة توفر المواد الأساسية للبدء بالمشروع".

 

وتؤكد عزريل "أن السوق المحلية الفلسطينية غير مهيأة لكميات كبيرة من الفطر، ولضمان تطور إنتاجه، يجب تحديد خطط بعيدة المدى وذات جدوى اقتصادية".

وبين الرغبة في تحسين الوضع الاقتصادي للأسر الفلسطينية، وغياب رؤية واضحة حول آليات التسويق، يتكلف كثيرون موارد مالية، ولا يستفيدون من هذا الاستثمار، المكلف ماليا، والمتعب في متابعته.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018