حدثني جدّي عن النكبة وقال..

 

عام 1948، غادر كثير من الفلسطينيين بيوتهم تحت وقع عمليات القتل التي نفذتها العصابات الصهيونية، على أمل العودة إلى قراهم وأراضيهم. "الحال" التقت أحفاد مهجرين، روى لهم أجدادهم لحظات التهجير الأولى، وهم يروونها اليوم، ويختمون حديثهم بما ختم به أجدادهم: حتماً سنعود.

 

يارا رمضان- زكريا

جدي كان فلاحاً بسيط يحرث الأراضي مقابل أجر، كغيره من الفلاحين البسطاء. اعتقله الانتداب البريطاني، وبعد الإفراج عنه، جاءت النكبة، وهجر وعائلته من قريتهم زكريا بالقرب من القدس المحتلة إلى قرية خاراس ومن ثم إلى قرية العروب، إلى أن جاءت وكالة الغوث وأوجدت المخيمات كحلٍّ مؤقت للاجئين الفلسطينيين، وانتقلوا إلى مخيم الدهيشة، ومن حينها، وجدي ينتظر العودة. 

وأخبرني جدي أنه في الوقت الذي هجروا فيه، وفي طريقهم إلى قرية خاراس، كانت جدتي تحمل بين ذراعيها والدتي، التي لم تكن أكملت الأربعة أشهر من عمرها في ذلك الوقت، وكانت طريق الهجرة أشبه بطريق الآلام. أما هدف الناس، فكان أن يصلوا إلى الأمان. وقد أخبرتها إحدى السيدات بأن تترك ابنتها في الطريق كي لا يصبح حملها لهذه الطفلة عبئاً عليها، وأن بإمكانها إنجاب غيرها، فرفضت جدتي وواصلت طريقها حاملةً تلك الطفلة التي كبرت وأنجبتني، لأعود إلى تلك الطريق التي مشتها وعمرها أربعة أشهر بعد أن يتحقق حلم العودة.

 

فداء غبّون- عسقلان

دخل الصهاينة إلى مدينة عسقلان وهدموا البيوت وهجروا أهلها منها وشردوهم. ترك جدي بيته وأرضه بعد أن خبأ ذهبه وأمواله خوفاً من أن تضيع في طريق الهرب. وكانت أقرب مدينة على عسقلان هي غزة، فكانت وجهتهم إلى هناك، حيث مكثوا لعدة أشهر في خيام منتظرين العودة إلى بيوتهم، إلى أن أيقنوا أن العودة ليست قريبة، فقرروا أن يبدأوا حياة جديدة في غزة لتكون حياة مؤقتة، إلى حين أن يرجعوا إلى عسقلان التي كانت جدتي دائماً تقول: كيف يمكنني أن أفتح عينيّ دون أن أشم رائحة بياراتنا فيها؟! أما جدي، فبقي حاملاً مفتاح العودة منتظراً أن يفتح أبواباً أوصدت أمامهم بعد أن خذلهم أشقاؤهم العرب الذين رددوا مراراً وتكراراً بأنهم للقدس قادمون، فلا هم جاءوا، ولا القدسُ عادت.

 

عمر معالي- لفتا

ترجع قصة جدي في الهجرة إلى مجزرة دير ياسين، حيثُ قتل الاحتلال الأطفال وكبار السن، وأغتصبوا النساءَ ودمروا القرية. وكان جدي من سكان قرية لفتا المجاورة لدير ياسين، وعندما سمع أهالي القرية بخبر القتل والمذابح، هربوا للبحث عن مكان آمن لحين أن تهدأ المجزرة ويعود إلى بيته وقريته، فلجأ جدي لخيم اللجوء في مخيم قلنديا، وفي فترة لجوئه في المخيم، عرضت عليه الهوية الزرقاء فرفض حملها قائلاً: "والله لنرجع عبلادنا وبدون هالهوية". 

 

وديع فراج- اللد

كان عمر جدي عند خروجه مع عائلته من اللد سبع سنوات. في ذلك اليوم، كان إطلاق النار كثيفاً، وأغلقت الطرق في جميع القرى المجاورة، وأهل القرية كانوا يركضون للبحث عن مكانٍ آمن، فخرجت مع أبي وأمي وإخوتي والعديد من أهالي القرية إلى مدينة رام الله، وكان الطريق صعباً وسرنا مسافات كبيرة حتى وصلنا لمدينة رام الله، وذهبنا إلى بيت خالتي التي كانت تعيش بالقرب من رام الله، ومن ثم انتقلنا إلى قرية بيرزيت للعيش فيها. وبعد ثلاث عشرة سنة تزوج جدي وعاش في مخيم الجلزون، وكان في كل صباح يتذكر قريته وبيته في الرملة، فقرر أن يعود لزيارة اللد وذهب إلى بيته فوجد فيه عائلة يهودية، فقال لهم: هذا بيت أبي فصمتوا منكرين! وتذكر جدي في تلك اللحظة أن أباه دفن ست ذهبات بالقرب من دالية العنب وسمحوا له بالحفر هناك واخرج الذهب وعاد والحسرة في عينيه عندما رأى الأغراب يمرحون في بيته. وعند عودته للمخيم قال: وطننا مقدس، ولا بد من عودتنا، ولن نقبل عن العودة أي بديل آخر، والعودة حق مؤكد.. حتماً سنعود.

 

  • طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018