الدلال.. ملك أسعار السمك في غزة

 

إذا قضى، يسمع الجميع لحكمه، وإذا نادى، تسارعت الأقلام لتسجل تقييمه، قراره فصل لا نقاش فيه، يصدره على صوت هدير موج يضرب حواف ميناء غزة وسط تظاهرة بشرية تحيط بحصاد رحلة لقمة عيش مغمسة بملح البحر ودماء رفاق ذهبوا ولم يعودوا.

عشرات من حاويات الأسماك تفترش أرض حسبة الأسماك بميناء غزة، ووجوه تركت الشمس بصمتها جليةً عليها، وصوت دلَّال يُقيّم الأسعار ويرعى المزاد الصباحي لما يصطاده رجال البحر وما قُسمت به أرزاقهم.

مهنة الدلالة بدأت في القطاع نهاية ستينيات القرن الماضي، حيث كانت الأسماك تأتي من بحر العريش المصرية جنوباً حتى شاطئ بيت حانون شمالاً، وظل الحال على ما هو عليه، رغم انحسار الصيد في شاطئ القطاع، وفق هذا النظام، حتى يومنا هذا.

الثلاثيني محمود الفيومي دلال الأسماك في ميناء غزة حالياً، أكبر سوق للأسماك في القطاع، عمل في المجال لأكثر من ست سنوات، يعتبر تقييم أسعار الأسماك وإدارة المزاد أمانةً حمله إياها الصيادون والتجار بذات الوقت، فهو الدفاع والقضاء في آنٍ معاً، يقول لـ(الحال): "لا أحد يستطيع إرضاء الجميع، فالمزاد هو الحكم ودلالتنا حرة، والبضاعة لمن يرفع الأسعار أكثر".

ويضيف الفيومي: أُقيِّم أسعار البضاعة وأفتتح المزاد، وترتفع القيمة أكثر مع ازدياد حجم الطلب.

ويتبع الدلال لمتعهد الحسبة، الذي يتعهدها بعد أن ترسو عليه سنوياً من قبل البلدية، ويأخذ رسماً من الصيادين مقابل الدلالة بنسبة تتراوح بين 2.5 و3.5% من إجمالي الربح، وقد تعاقب على الحسبة العديد من الأسماء التي تركت بصمةً وسمعة متميزة لدى الصيادين، أشهرها الحاج أبو شاكر شويخ، الذي كان الدلال والمتعهد في ذات الوقت، الذي يذكر الصيادون مواقفه الكريمة، ودعمه لهم عند الضيق.

وفي هذا الصدد، يستذكر الصياد فايز الصادق، الدلال "شويخ" وتساهله مع الصيادين، ويضيف: "لم يكن يرد من يقصده للاستدانة أو صيانة المعدات، وكان سمحاً مريحاً في التعامل".

ويضيف الصادق لـ(الحال): الدلالة نظام جيد ومرضٍ للجميع، لكن الأحوال لم تعد كما كانت، فكمية الصيد لم تعد وفيرة مع ضيق المساحة المسموح بها للصيد وكثرة أعداد الصيادين الذين زاد عددهم على الأربعة آلاف صياد، ورغم ما يروج عن توسيع للمساحة لـ 9 أميال بحرية، فالتوسيع فقط قبالة وسط القطاع وهي منطقة ضعيفة، ويستدل على قلة كمية الصيد بقصر وقت المزاد، حيث يبدأ في تمام السابعة صباحاً، وينتهي قرابة الثامنة والنصف، وفي فترات سابقة كانت الدلالة تمتد لثلاث أو أربع ساعات متواصلة.

أما صاحب مركب الصيد (اللنش) درويش العاصي فيستذكر انتظام العمل بالحسبة من أيام ما قبل الاحتلال الإسرائيلي للقطاع، بدءاً بأبو شاكر شويخ، مروراً بغيره من المتعهدين، من عوائل عطا الله، والهندي، والفيومي وعياد.

وتحدث العاصي لـ(الحال) عن أبرز المشكلات التي تواجه سوق الحسبة، وهو تأخر الدفع، حيث يتأخر تجار السوق في الدفع للمتعهد فلا يجد الأخير مفراً من التأخر عن الدفع للصياد، رغم الرسم الذي يُدفع للمتعهد لقاء خدمة التسويق وجمع الأموال بسرعة للصيادين.

ويضيف: صاحب (اللنش) بحاجة لأن يجهز لرحلة اليوم التالي، ولديه تكلفة عالية للكاز والبنزين، تقدر بـ 2500 شيكل للرحلة الواحدة، لتشغيل محرك المركبة، والإنارة عبر المولدات، فيصبح توفير هذه المبالغ ضرورةً ملحة وتكلفة إضافية تزيد من الأعباء والإشكاليات.

كما يلجأ بعض الصيادين لبيع صيدهم قبل وصول الدلال إليها؛ طمعاً بالربح ولتوفير قيمة الدلالة وحاجتهم لقبض المبلغ مباشرةً.

وعن أبرز أنواع الأسماك، تأتي السردينة والسكمبلة في مقدمة ما يتم صيده بالشباك الصغيرة هذه الفترة، أما سفن الجر فتخرج الجمبري والدنيس والقرش الصغير والعديد من الأنواع متوسطة الحجم.

ويبقى للبحر وأجوائه طعم آخر، رغم صعوبة هذه المهنة، بسبب تذبذب الكميات حيناً وخطر البوارج الإسرائيلية، وخفر السواحل أحياناً أخرى. وتظل لقمة عيش الصياد محفوفة بالقتل والمطاردة في عرض البحر من قوات الاحتلال، ومحاطة بقسوة العيش، وتبقى شكوى الصيادين مشرعة، علها تجد صدى لها يخرجهم مما هم فيه، وينقلهم إلى حياة كريمة.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018