اغتيال الفقهاء ..جولة حرب استخبارية بين اسرائيل وحماس

 

بعد شن الاحتلال خلال المرحلة الماضية حروباً عسكرية عدة ضد حركة حماس في غزة، تخللتها اغتيالات، كثف مؤخرًا الحرب الناعمة، التي كان اغتيال مازن فقهاء أواخر آذار الماضي إحدى جولاتها، برصاص كاتم الصوت أمام منزله غرب مدينة غزة، فيما أعلنت وزارة الداخلية لحكومة حماس في غزة منتصف أيار عن كشف تفاصيل الاغتيال واعتقال 45 عميلا بينهم ثلاثة شاركوا بشكل مباشر بتنفيذ العملية من خلال الرصد والمراقب وإطلاق النار، وقد صدرت بحقهم أحكام بالإعدام، ونفذت بحق اثنين، فيما فر الثالث إلى إسرائيل.

وأمام ذلك، يقول أستاذ العلوم الاستراتيجية والأمنية بغزة د. هشام المغاري: "إن الاحتلال انتقل إلى مرحلة جديدة من صراع الأدمغة والعمل الاستخباري فيما يعرف بقتال العدو من خلف الخطوط؛ والحرب السرية التي لا تلتقي الجيوش فيها في الميدان".

ويضيف المغاري لصحيفة "الحال": "الأجهزة الأمنية بغزة وأجهزة أمن المقاومة لو قدر لها الحصول على إمكانات جهاز "الشاباك" الإسرائيلي فإنها ستتفوق عليه"، مدللا على ذلك بأنها استطاعت فك عملية اغتيال الفقهاء خلال فترة وجيزة، حسب قوله.

ورغم أن عملية اغتيال الشهيد فقها، كما يقول، كانت مفاجئة، إلا أنها أثبتت قدرتها على الدخول في هذا النوع من الصراع، متوقعا أن يأخذ الصراع في المرحلة القادمة شكل العمل الاستخباري والحروب الخفية.

 

أدوات ودلالات

وبشأن أدوات الصراع الاستخباري، يوضح المغاري أن الأداة الأساسية فيها العقول والقدرة على التخطيط والتدبير، وجمع معلومات عن الضحية والبيئة التي يعيش فيها كي تستطيع الوصول إليه، فيما تكون الأداة الدفاعية من المقاومة رفع منسوب الاحتياطات الأمنية حتى لا يتمكن الاحتلال من الوصول للهدف.

وعن دلالة اعتقال منفذي عملية اغتيال فقهاء، أشار المغاري إلى أن ذلك رسالة للاحتلال أن المقاومة قادرة على فك ألغاز جرائمه وخوض صراع الأدمغة مع الاحتلال، ورسالة للعملاء أن الاحتلال يضحي بهم ولا يستطيع حمايتهم، ورسالة تجديد ثقة الجمهور الفلسطيني بأجهزة أمن حماس.

من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجني أن الاشتباك الأمني والاستخباري أحد أشكال الصراع مع الاحتلال، ضمن إطار صراع أدمغة بين المقاومة والاحتلال الذي يمتلك إمكانات تكنولوجية ومالية ومعلوماتية كبيرة جدا.

ويقول الدجني لصحيفة "الحال": "إن المقاومة استطاعت بإمكاناتها، رغم بيئة الحصار وشح الموارد، تحقيق انجازات كبيرة منها فك لغز اغتيال فقهاء".

ويأخذ الصراع، حسب الدجني، كافة الأشكال من القوة الناعمة والخشنة، والأدوات السياسية والدبلوماسية والعسكرية والقانونية، موضحا أن المقاومة بدأت تبدع من خلال فهمهما للمحتل، وتتعاطى معه ضمن خطوات محسوبة، لتطويعه ودفعه إلى عدم تنفيذ عمليات في المستقبل.

 

فاتورة الحرب

ووفق الدجني، فإن دخول الاحتلال بالحرب الاستخبارية، دليل على أنه لا يريد الحرب، وأنه لا يستطيع تحمل فاتورة العدوان على القطاع من الناحية الأمنية والعسكرية والاقتصادية، كذلك يخشى على صورته أمام العالم العربي والإسلامي والعالم الدولي.

ويبين كذلك أن الاحتلال دخل في هذا الشكل من الحروب ليثبت أنه قادر على الوصول لأي هدف، ومن جانب آخر، أنه لا يتحمل مسؤولية الاغتيال، وتبعات رد المقاومة على أي هدف إسرائيلي.

 

حرب مكشوفة

ويوضح الخبير العسكري اللواء المتقاعد واصف عريقات أن الحرب الاستخبارية ليست جديدة، فقد استخدمها الاحتلال منذ بداية الصراع مع الشعب الفلسطيني، ولكنها اليوم وصلت إلى مستوى متقدم في الميدان، وأصبحت علنية ومكشوفة، بعد اغتيال فقهاء، أما الجزء السري فيها، فهو جمع المعلومات.

ويقول عريقات لصحيفة "الحال": "إن الكشف عن منفذي عملية اغتيال الشهيد فقهاء، يدلل على أن هناك عقولا فلسطينية تضاهي العقول الأمنية الإسرائيلية".

ويتابع: "إن اعتقال العملاء رسالة طمأنة للجبهة الداخلية الفلسطينية وقلق للجبهة الداخلية الإسرائيلية، التي تدعي أجهزة أمنها قدرتها العالية على العمل دون أن يتم اكتشافها، وهو ما أثبت فشله بعد الكشف عن منفذي الاغتيال"، مضيفا أنها أيضاً وسيلة ردع، لضعفاء النفوس في الداخل الفلسطيني، وردع لأجهزة أمن واستخبارات الاحتلال للحد من عملهم، موضحا أن أي تفكير إسرائيلي بأي عمل مشابه مستقبلا سيأخذ محددات معينة.

وعن تأثير اعتقال المنفذين على الاحتلال، بين عريقات أن العمليات الناعمة والاغتيالات هي صناعة أمن الاحتلال، تسوقها للعالم على أنها الأجدر على تنفيذها كجزء من اقتصادها، معتبرا أن اكتشاف منفذي عملية الاغتيال يضعف من قدرتها، ويؤثر على سمعتها.

وبشأن التوازن بين المقاومة والاحتلال في الصراع الاستخباري، يرى عريقات أنه ما زال مختلا لصالح الاحتلال، وقال: "طالما هناك احتلال موجود مرتبط بحاجة إنسانية يومية للإنسان الفلسطيني، فهذا يعزز فرص إسقاط ضعفاء النفوس".

ويشدد عريقات على اتخاذ إجراءات ميدانية وتوعوية وثقافية وإرشادية، لشرح أبعاد هذه الممارسات الخاطئة، مشيرا في الوقت ذاته، إلى أن بيئة الانقسام حاضنة لضعفاء النفوس بالتخابر مع الاحتلال.

ويتوقع أن تكون هناك مراجعة ومحاسبة للتقصير الذي جرى من ضباط الاحتلال، وأخذ دروس وعبر، لافتا إلى أن اعتقال العملاء سيكون رادعاً لغيرهم من أن يسيروا بهذا الاتجاه، ودليل على أن الطرف الفلسطيني ما زال قويا في مواجهة هذه الحالات.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018