مكتبات الأطفال في غزة .. تأشيرة سفر خارج أسوار الحصار

 

في شارع ترابي قرب المنطقة الحدودية شمال قطاع غزة، تطل جدران مكتبة بيت حانون للأطفال مزينة بألوان زاهية، حاضنة بين جنباتها عشرات الأطفال الذين يتوقون للمعرفة والقراءة، ويتنقلون من كتابٍ إلى آخر، يبحثون عن ضالتهم العلمية المفقودة في إحدى صفحاته، ويشبعون شغفهم في التعرف على المزيد من الحكايات والثقافات العالمية، ويطورن قدرتهم على القراءة، وينمّون مهاراتهم الكتابية، مؤمنين أن مستقبلهم معلق بحصيلة معرفتهم العلمية والثقافية. وتعد مكتبة بيت حانون إحدى مكتبتين يدعمهما المجلس العالمي لكتب اليافعين (ايبي- IBBY)، بجانب مكتبة أخرى في منطقة الشوكة.

تواجدت "الحال" أثناء عقد أمينة مكتبة العطاء، عبلة حمد، أحد الأنشطة التي تستهدف الأطفال وتنمي شغفهم في التعبير عن أنفسهم من خلال الورقة والقلم، إذ روت لهم قصة وطلبت منهم كتابة أحداث مشابهة لها حصلت معهم، وقالت: "نعمل بشكل مستمر على تقديم أنشطة قرائية لامنهجية، من شأنها تحفيز الأطفال على القراءة وتدفعهم إلى الإقبال على المكتبة بصورةٍ دائمة".

وعن طبيعة تلك الأنشطة، بينت حمد أنها تتمثل في القراءة عبر مجموعات، والكتابة الإبداعية، ومسرح الدُمى، والدراما، ودعوة الأهالي لمشاركة قراءة الكتب مع أطفالهم، فضلاً على المشاركة في النشاطات والمسابقات الخارجية مع المؤسسات المعنية، مؤكدة أن طالبتين من المكتبة فازتا في المرتبة الأولى في  مسابقة "كتابي الأول" التي أطلقتها مؤسسة تامر عام 2014 في مجال كتابة القصة.

وعلى الرغم من قصف المكتبة بشكل كامل أثناء حرب 2014، إلا أن جمعية العطاء وفرت لهم مكاناً مؤقتاً، واستطاعوا بالتعاون مع المجلس، وبعض دور النشر والمؤسسات الشريكة توفير 700 كتاب، لافتة إلى أنهم يحاولون من خلال الأنشطة ربط القراءة بحياة الطفل.

وتابعت: "المكتبة تستهدف أطفال المحافظة من عمر 8 إلى 15 سنة، وتعقد لهم أنشطةً دوريةً بما يتناسب مع فئتهم العمرية".

وفي هذا الصدد، قال الطفل صلاح سحويل (12عاماً) لـ"الحال": "اشتركت في المكتبة قبل أربع سنوات، لشدة حبي لقراءة القصص، ومع استمراري بزيارتها وبفعل الأنشطة التي كنت اتلقاها، دعمت موهبة الكتابة الإبداعية لدي".

وأوضح أنه في عمر الـعاشرة أصبح يكتب القصص ويشارك في المسابقات المحلية والمدرسية، كما أنه تمكن من زيادة تحصيله الدراسي، مبدياً حزنه على قصف مقر مكتبهم السابق، متنمياً العودة إليه سريعاً، إذ يشكو المقر الحالي من الضيق.

وأضاف: "الاحتلال يتعمد قصف مكتباتنا كيلا نواكب التقدم، ونغرق في بحور الجهل، وعلينا أن نتحداه بالعلم وإنشاء المزيد من المكتبات".

أما الطفل محمود المصري (12 عاماً) فبين لـ"الحال" أنه اشترك في المكتبة قبل عامين، بناء على رغبة أهله، إذ كان يشكو من ضعف في القراءة، مؤكداً تجاوزه لهذا الضعف بفعل تردده على المكتبة، شاكراً المجلس على دعمه لأطفال غزة.

وقال: "القراءة تجعلنا نعيش قصص الآخرين، وتطلعنا على ما هو جديد وتنمي الخيال لدينا".

ومن موقعه، أوضح أمين مكتبة الشوكة بمحافظة رفح محمود الهسي لـ"الحال" أن المكتبة تستقبل الأطفال على مدار الأسبوع وتعقد لهم أنشطةً متنوعة في المجالات كافة، مبيناً أن الأقبال على المكتبة يزداد عاماً بعد عام.

وأكد أنهم يحاولون جاهدين تحديث الكتب الموجودة في المكتبة باستمرار، ولكن نقص الدعم المادي يحول أحياناً دون ذلك، منوهاً إلى أن المكتبة تضم 2000 كتاب، 85% منها كتب مخصصة للأطفال، مطالباً بضرورة توفير كتب تعينهم على فهم مناهجهم الدراسية.

من ناحيتها، تحدثت مسؤولة لجنة المجلس العالمي لكتب اليافعين في فلسطين جيهان الحلو لـ"الحال" عن انضمام فلسطين إلى المجلس عام 2003، وقالت إنهم استطاعوا تأسيس مكتبتين في نهاية عام 2007، من خلال التبرعات والدعم المادي الذي تلقوه، ضمن مشروع الأطفال في ظل الأزمات الذي أطلقه المجلس عام 2006، للأطفال الذين يعانون من أزمات طبيعية أو يعيشون في ظل الحروب.

وبينت أنهم عمدوا إلى تأسيس المكتبتين في المناطق الحدودية، لدعم الأطفال هناك، وإعطائهم مساحات للإبداع والابتكار، فضلاً على خلو تلك المناطق من المكتبات، موضحةً أن المجلس يعتمد في ميزانيته على الاشتراكات السنوية التي تُدفع من قبل الدول المنضمة إليه، لافتةً إلى أن فرع المجلس في أمريكا يتكفل بإشتراك دولة فلسطين منذ عام 2006.

وعن الدعم الذي يجلبه المجلس لمكتبات غزة  قالت الحلو: "استطعنا من خلال النداء المؤثر الذي أطلقه المجلس عام 2014 خلال مؤتمره السنوي عقب قصف مكتبة بيت حانون وتضرر مكتبة الشوكة، الحصول على 30 ألف دولار، كما أطلق المجلس نداءً آخر شهر نيسان الماضي".

وأشارت إلى أن النداء يمثل قيمة معنوية، وتضامنا دوليا رائعا من قبل المجلس، فضلاً على قيمته المادية، إذ استطاعوا الحصول على مبلغ يقارب الـ 30 ألف دولار من إحدى الكاتبات العالميات، منوهةً إلى أنهم استطاعوا إيصال صوت أطفال فلسطين للعالم.

وعن الصعوبات التي يواجهونها، أكدت الحلو صعوبة إدخال الكتب إلى القطاع بفعل العراقيل التي يضعها الاحتلال الإسرائيلي، مؤكدةً أنهم يحاولون إيصالها أحيانا عبر اليونسكو، موضحةً أن الكتب تخضع قبل عرضها في المكتبة للجنة مختصة تطلع على محتوياتها وتحللها للتأكد من استيفائها للشروط والمعايير وخلوها من الأفكار المغلوطة أو المتطرفة أو العنصرية.

وتابعت أن تجزئة الوطن والحواجز العسكرية الفاصلة بين شقيه تحول دون استقطاب بعض الأشخاص والكتاب المؤثرين، ويحد من تنفيذ ورش عمل مشتركة، فضلاً على أن عملهم مرتبط بالدعم المادي الذي يأتي من قبل المتبرعين، منوهةً إلى أنهم لا يستطيعون تنفيذ أي نشاط دون ذلك، مؤكدة على طوعية عملهم.

وختمت حديثها بالتأكيد على ضرورة إعطاء الأمل للأطفال، وتعزيز عملية التعليم ونبذ العنف لديهم وتحسين أوضاعهم النفسية، من خلال القراءة والأنشطة اللامنهجية والإبداعية، مشيرةً إلى أن القراءة تعد الملاذ الآمن للجميع.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018