محمد أحمد موعد.. الشاعر "الشيف" الذي يطهو الشعر كما يطهو الطعام

 

لا يرى الشاعر النصراوي محمد أحمد موعد خللاً في أن يعمل شاعر ما كطاهٍ في مطعم في الوقت الذي يكتب فيه الشعر. يقول موعد في مقابلة خاصة مع جريدة الحال إن "الحياة تعج بالأشياء المتناقضة التي تعيش جنباً إلى جنب، قبل أن نكتشف أنها تتقارب لاحقاً لتصب في نفس الدائرة، وبذا يتحول التناقض إلى مدعاةٍ للإبداع".

ومع ذلك يرى موعد أن الشعر والطهي لا يتناقضان، لأن الشاعر الذي يبتكر النصوص الأدبية يعمل على تذوقها قبل أن يلقيها إلى جمهوره القارئ، تماماً مثل الطاهي الذي يتذوق طعامه قبل أن يقدمه للزبائن. ومن هنا يعتقد موعد أن الشعر هو نوع من أنواع الطهي، وأن لتذوقه طعما خاصا، لكن ما يميزه هو الحاجة إلى وقت كبير لإعداده مقابل إعداد الطعام. "قد يستغرق الشاعر عدة أسابيع في كتابة نص قصير حتى يكون مقنعاً للقارئ الحساس الذي سرعان ما يلحظ زيادة الملح أو نقصانه في النص الأدبي" كما يقول موعد.

ويضيف: "وكما نقول إن نَفَس الطاهي وروحه تظهران في الطعام، فإن نَفَس الشاعر يظهر في النص الإبداعي، وقد يلحظه أي قارئ أو ناقد، وإذا ما شعر أي منهما بأن هناك زيادة ما في النص الأدبي، فإنه لن يتابع قراءة القصيدة الشعرية، ما يعني أن مهمّة الشاعر أكثر صعوبة من مهمّة الطاهي".

 

ديوان جديد

الشاعر محمد أحمد موعد، أصدر حديثاً ديوانه الثاني بعنوان "نقيضان على أدراج المعنى" عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان. وجاء الديوان الجديد في 312 صفحة ضمت نصوصا طويلة ونصوصا قصيرة وقصائد الومضة. كما تضمّن الديوان عدة مداخل: أولها الدواخل، وثانيها معاجم الحس، وثالثها قصار صور. وكان موعد قد أصدر ديوانه الأول عام 2014 بعنوان "أول أحزان اللافندر" عن دار الجندي للنشر في القدس.

ويعتبر الشاعر محمد موعد أن ديوان "نقيضان على أدراج المعنى" قد تفادى أخطاء الديوان الأول، واستفاد من آراء النقاد والقراء حوله، ما أنتج أساليب أخرى في كتابة القصيدة الشعرية ظهرت في هذا الديوان، وهو الأمر الذي أحدث اختلافاً كبيراً في الطريقة التي يقدم بها الشعر في ديوانه. وقد ظهر هذا الاختلاف أيضاً في الطريقة التي يلقي بها محمد قصائده أمام جمهوره، لأن إلقاء الشعر في الأمسيات الأدبية يشكّل 30% –كما يرى موعد- من روح الشعر، أما الـ70% المتبقية فهي لطبيعة النص الإبداعي وروحه، وهو أمر توصّل إليه من أمسياته التي أقامها بعد ديوانه الأول.

وحول سؤالنا عمّا إذا كان هناك نص ما "قرائيّ" فقط، أي لا يصلح للإلقاء، يجيب: "يكتمل الشعر حينما يكون النص جميلاً ويؤدى من شاعره بجدارة، أي أن الشاعر يتمكّن من التحكم في مخارج الحروف وتلحين الصوت بطريقة تعمل على جذب أذن المستمع إلى النص. أما إذا كان الشاعر لا يجيد إلقاء شعره فقد يؤثر ذلك على طبيعة الجو العام الذي تخلقه القصيدة للمستمع".

 

عابر سبيل

وينتقد موعد في حديثه قضية تأثر الآراء النقدية في الشعر بالمعارف الشخصية، فيرى أن معظم الآراء التي يقدمّها القرّاء للشاعر ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعلاقة الشخصية معه، فيتحول الشاعر إلى "عابر سبيل" إذا لم تكن له معارف شخصية في المجال الأدبي، ما يعني أن تقييم الشاعر الأدبي لا يرتبط بما يكتبه في معظم تلك الحالات.

كما يوجّه الشاعر نقده إلى بعض الأدباء ذوي الخبرة الطويلة الذين يقابلون الشعراء الشباب بنوع من "الغيرة" محاولين طمس فرادة الشاعر الشاب، و"احتقار" شعره، الأمر الذي يحولّه إلى "عابر سبيل" -مجدداً- في نظر كثير من المثقفين في المجال الثقافي العام. 

 

"كتبت نفسي"

"قرأت الدنيا، وكتبت نفسي"، هكذا يعبّر موعد عن محاولاته النأي بنفسه بعيداً عن قراءاته المتنوعة، خوفاً من أن يجد تأثراً بما يقرأه للشعراء والكتاب الآخرين، فعلى الشاعر أن يقرأ الكثير ومن مختلف المجالات، لكن -في النهاية- عليه أن يكتب نفسه فقط، كما يقول، "أما إذا أحسّ الشاعر أنه تأثر بنص ما لشاعر آخر، فعليه أن يبتعد عن هذا النص، وأن يعيد كتابته من جديد لاحقاً".

ويضيف: "إن معظم الاتهامات التي يلقاها الكثير من الأدباء الشباب حول تأثرهم بشعراء كبار باطلة، لكن يحدث أن يحصل أحياناً توارد أفكار مع شاعر آخر كتب سابقاً فكرة مشابهة، أو أن يعبر شاعران بطريقة متشابهة نوعاً ما، فتلقى الاتهامات على الشاعر الشاب بأنه سرق فكرة أو تأثّر بغيره".

 

الشاعر يكتب للإنسانية

ويرى الشاعر محمد أحمد موعد أنه ليس على الشاعر الفلسطيني أن يكتب عن فلسطين وحدها، بل عليه أن يكتب للإنسانية كلها ومن أجلها. "صحيح أن للفلسطيني قضيته العادلة، لكن الفلسطيني إنسان قبل كل شيء، وعليه أن يكتب من أجل الإنسانية، حتى لو نشأ ضمن بيئة تتعرّض للتهويد يومياً وتستهدف فلسطينيته. أنا أتحدث العبرية يومياً بحكم عملي، لكن هذا لا يعني أن ألغي فلسطينيتي أو أن أصبغ نفسي بثقافتهم".

ويضيف: "لقد تهجّرت عائلتي من صفورية التي تبعد عن مكان سكني الحالي في الناصرة حوالي كيلو متر واحد، وحين نزور بلدتنا الأصلية يطلب منا المستوطنون الخروج من "أرضهم". لقد كتبت عدة نصوص ترجمت إلى اللغة العبرية ونشرت في جرائد عبرية، وقد كان الهدف من ذلك أن يعي القارئ اليهودي –المثقف بشكل عام- أن الفلسطيني الذي يكتب للإنسانية يتفوق على اليهودي الذي يحارب الإنسانية، وهو انتصار للفلسطيني بشكل ما، اعترف به بعض المثقفين اليهود الذين قرأوا نصوصي المترجمة".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018