خطّاب وخطّابة في جنين.. توفيق الرؤوس بالحلال والتسعيرة معروفة

 

وسط مدينة جنين، وتحديداً في مجمع سيارات المدينة، يتحلّق عدد من كبار السن حول الستيني أبو مسعود، الذي يعلو صوته تارة ويخبو تارة أخرى كمن يسرد حكاية، والكل من حوله مشدوهون حتى آخر حواسهم.

ذلك مشهد يمكن أن تراه يومياً في المجمع المزدحم بالسيارات والناس. 

وأبو مسعود "ميسِّر زواج" كما يحلو له أن يصف نفسه، يأتيه الناس من كل المدن الفلسطينية عارضين عليه مواصفات محددة لعرائس يبحثون عنهن، ليبدأ أبو مسعود رحلة البحث عن العروس المناسبة لكل عريس، حسب وضعه المادي والاجتماعي. 

باختصار، يعمل أبو مسعود كمدبر زواج، وبالعامية: خطّاب للعرائس والعرسان.

مستنداً إلى أحد الأعمدة الحديدية في المجمع، يرد أبو مسعود على اتصال وصله على هاتفه المحمول، ثم يسحب من جيبه دفتراً صغيراً وقلماً، ويشرع في الكتابة، ثم يتوقف لحظة ويقول: "أيوه بالضبط، لا يا عمي، ولا يهمك، إنت قاصد أبو مسعود، وأبو مسعود معروف بهالكار، أبشر خير إن شاء الله، موعدنا بكره الظهر بردلك خبر، في وحدة مطلقة، والثانية أرملة، واللي بوفقه الله مليح".

يقول: "هذه المهنه ليست عيباً، أجمل ما في الدنيا أن توفق رأسين بالحلال، كثيرون بحاجة لمن يبحث لهم عن شريك حياتهم، وعندي كل فولة ولها كيال".

ويضيف أبو مسعود أنه يفكر جديا بفتح مكتب ليوسع من عمله ويجعله أكثر انتشاراً.

ولا يقتصر عمل أبو مسعود على مدينة جنين وحدها، كثير من الاتصالات ترده من داخل الخط الأخضر لرجال في الغالب تجاوزت أعمارهم الخمسين والستين ويبحثون عن فتيات ثلاثينيات تعثرت بهن الحياة ممن فقدن أزواجهن أو انفصلن ويرغبن بالزواج مرة أخرى وبشروط أسهل.

على الجانب الآخر من المجمع، ترقب سيدة الغاديات والذاهبات ممن يدخلن مراحيض المجمع يومياً، تقترب منهن وتسأل من تراها مناسبة لطلب عريس ما إن كانت توافق على الزواج بعد ان تعرض عليها قائمة مواصفاته التي تأخذها من ابو مسعود أحياناً.

أبو مسعود على تنسيق دائم مع هذه السيدة، وفيما كان يشرع بالذهاب إليها والتحدث معها ونحن نرافقه، قطع طريقه رجل في الخمسين من عمره، وأخذ يصرخ: "وينك يا زلمة، من يومين برنلك وما بترد. عندي عريس من الناصرة، عمره 75 سنة، وربنا منعم ومفضل عليه، مليان فلوس، وبده وحدة بالاربعينات". 

وبعد أن دوَّن أبو مسعود كل المواصفات المذكورة، وعد الرجل خيراً، وقال لنا: "أرأيتم، هكذا يكون العمل، بكره مثلا عندي مشوار إلى رام الله وسآخذ معي صبية من هنا من جنين ليراها العريس، إذا أعجبته، بكون خير، إذا ما أعجبته، كل شيء عند أهله".

وتكون رام الله نقطة التقاء عندما يكون العريس من الخليل لكي يُسهّل أبو مسعود عليه ويعفيه من مشوار إلى جنين.

واشتهر أبو مسعود في مهنته بأنه يُسهِل كل شيء على الزبائن.

ويضيف: "أتقاضى 40 ديناراً من كل عريس أجد له طلبه ويتم زواجه، أما اذا كان العريس من عرب الداخل، فأطلب منه 400 شيقل كحد أدنى".

وكما السيدة التي تراقب المكان، والتي رفضت الحديث معنا قطعياً، يرفض أبناء أبو مسعود أن يتحدث والدهم إلى الصحافة، ويعتبرون ذلك عيباً، لذا طلب منا أن لا نذكر اسمه الحقيقي في تقريرنا هذا. 

قسم الإرشاد في المحكمة الشرعية في نابلس قال لنا إن مثل هذه الزيجات التي تتم عن طريق الخطابين والخطابات او "الواسطة" كما يسمونها، لا يصرح اصحابها بان زواجهم تم بهذه الطريقة، لذلك لا توجد نسبة محددة للأزواج الذين تعرفوا على بعضهم بالواسطة. 

لكن من خلال عملها، قالت إحدى الموظفات التي طلبت هي الأخرى عدم ذكر اسمها بالتقرير، أن قسمها التقى في الآونة الأخيرة مع 3 حالات على الأقل تم زواجهم بواسطة "خطابين"، وللأسف هذه الحالات الثلاث وصلت لمرحلة الطلاق واستلم المكتب اوراقهم لمباشرة الطلاق.

"هذه الحالات كان آخرها لشابة صغيرة لم يستمر زواجها سوى شهرين، واليوم هي تراجع المحكمة للانفصال"، تقول الموظفة.

قد تبدو فكرة الارتباط عن طريق خطابة أو خطاب فكرة غريبة في أيامنا هذه، خاصة بعد ما وصل إليه المجتمع من تطور اجتماعي وتكنولوجي، لكن أمثلة كأبو مسعود وغيره في مجمع جنين للتكسيات، تثبت أن هذه الطرق ما زالت قائمة حتى يومنا هذا.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018