أهالي مفقودين منذ  العام 1967: نريد أبناءنا لنحضنهم أو ندفنهم

لم تغب ليلة الثالث والعشرين من تموز 1967 عن بال الستينية عايدة أحمد الجعبة، حينما غادر شقيقاها عبد النبي وربحي منزل العائلة الذي نزحوا إليه في جبل النصر في عمان عائدين إلى مدينتهم الخليل، لأن الأمور بدأت تهدأ في فلسطين بعد أحداث النكسة، وبرفقتهما 7 أشخاص هم: خالهما فرحات الشعراوي، وابنا الخال محمد وراتب خليل الشعراوي، وسعدي الشعراوي،  وثلاثة من أبناء عائلات أبو غزالة والشلودي والشرباتي، لكنها عودة لم تتحقق حتى اليوم، فلا هم عادوا لعمان ولا وصلوا مدينة الخليل.

 

فرضيات متعددة

تقول الشقيقة المكلومة التي ما زالت تعيش ألم العام 67: "ربما هو الآن يشق طريقه عائدا عبر نهر الأردن، وربما رصاصات الغدر أصابته"، والفرضية الأخرى لديها أنه قد يكون أسيراً لدى الاحتلال في أحد السجون السرية، مستبعدة خيار أن يكون قد فارق الحياة، وهو ما يعطيها أملاً لغاية يومنا هذا.

كارثة الغياب لم تبقِ على والد عبد النبي طويلاً، إذ فارق الحياة بعد عامين من اختفاء نجليه وقلبه يعتصر ألما عليهما، وكذلك الوالدة التي وافتها المنية عام 1991 ألما على فقدان نجليها وشقيقها، وهي تحلم بعودتهم لحضنها، تزيد ألم عايدة أضعافاً مضاعفة.

جهود عدة بذلتها عايدة وأقرباؤها في سبيل معرفة مصير أبنائهم، لكن دون جدوى، من خلال الاعتصامات والتواصل مع جهات الاختصاص.

 

دلائل على كونهم أحياء

حال عائلة أبو غزالة لا يختلف كثيرا عن حال عائلة الجعبة، التي فقدت هي الأخرى الوالد عبد الجواد أبو غزالة الذي كان عائداً إلى الخليل، رفقة أبناء الجعبة والشعراوي.

يقول عبد السلام أبو غزالة نجل عبد الجواد الوحيد لـ"الحال": "الوالد كان يعمل في شركة الفوسفات الأردنية منذ العام 1962 في عمان، وكان يأتي لزيارتنا بين الفينة والأخرى، وفي إحدى المرات، وخلال عودته للخليل، سمع أخبارا عن سوء الوضع في الضفة، وأن أحداثا شبيهة بأحداث النكبة ستحدث، فجاء وأخبرنا أنه سينقلنا للسكن في عمان خوفا على أبنائه وزوجته، لكن أقرباءه وأبناء عمومته رفضوا ذلك، قائلين: "سنبقى في الخليل، وما سيجري للمواطنين سيجري لنا، ولن نغادر الخليل".

يتابع عبد السلام:" اقتنع والدي بحديثهم، فهو الآخر وحيد والديه، فعاد للأردن لاستكمال إجراءات ترك عمله، ليعود للوطن، وفي طريق العودة فقدت آثاره في منطقة الشريعة على الحدود الفلسطينية الأردنية، وكان عمره حينها 36 عاما".

وبعد فقدان الوالد، تزايدت الأعباء على عبد السلام الذي كان بعد عودته من المدرسة يذهب للعمل لإعالة والدته وشقيقاته الثلاث، كونه الأكبر بينهن، وكان يبلغ حينها 13 عاما.

يتابع عبد السلام روايته: "بعدها بعامين، وصلتنا رسالة موثقة من الصليب الأحمر أن فرحات الشعراوي ورفاقه تم اعتقالهم على الحدود بصفتهم متسللين، وبعد المراجعة عند الحاكم العسكري في الخليل قالوا لنا إنهم في سجن "عتليت"، وإن لديهم زيارة، وانتهت الزيارة وهم يتواجدون بالساحات، ليخبرهم الحاكم العسكري أنهم غير موجودين لديهم. وفي مرات أخرى، أخبرهم الحاكم العسكري أنه تم ترحيلهم للأردن، وبعد التواصل مع الأقارب أخبروهم بعدم تواجدهم، وفي حالات أخرى أخبرهم أسرى محررون أنهم التقوهم في غرف السجن، ويتعرضون لتعذيب شديد.

وبعد صفقة الإفراج عن الأسرى عام 1982، تحدث بعض الأسرى المحررين عن التقائهم ببعض الأسرى من الخليل، وأنهم يتعرضون للتعذيب، وبعض منهم من عائلتي الشلودي والهشلمون تم تخديرهم ويقوم الجنود بإجراء التجارب عليهم، من بينهم الأسير المحرر محمد الرفاتي الذي كان معتقلاً في نفس غرفة اعتقالهم بسجن "عتليت"، مؤكدا أنه شاهد أفراد المجموعة.

ويستهجن أبو غزالة عدم الاهتمام الرسمي بقضية أقربائهم وغيرهم من المفقودين، ويقول: "وثيقة الصليب الأحمر عن وجودهم بأحد السجون دليل قاطع كان بإمكان السلطة ومنظمة التحرير استغلاله ومعرفة مصير المفقودين، فهذا أصبح خبرا عابرا لديهم". 

ويتابع: "مسؤولون آخرين من السلطة دعونا وكرمونا بدروع كأهالي شهداء، فقد اعتبروهم شهداء، وكشهيد له حقوق، لم نر منها شيئاً"، مطالبا وعائلات المفقودين الآخرين بضرورة التحرك لمعرفة مصير أبنائهم وتفعيل القضية من جديد. 

 

مئة مفقود 

من جهته، أكد مدير نادي الأسير في الخليل أمجد النجار أن "الإحصائية الموجودة حاليا تتحدث عن 22 مفقودا من أبناء المحافظة منذ العام 1967، وعلى مستوى الوطن، الأعداد غير دقيقة، لكن العدد قريب على المئة كمسجلين".

ونوه النجار إلى أن سلطات الاحتلال لا تعترف بوجود مفقودين أو تلك الأسماء في سجونها، علما أن هناك دلائل ومؤشرات من أسرى محررين أنهم التقوا ببعض المفقودين، مشيرا إلى أن الملف متابع من الحكومة الفلسطينية ومن الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء والمفقودين، "حيث طرح ملفهم في إحدى جلسات السلطة في الأمم المتحدة، خاصة بعد الكشف عن سرقة أعضاء بعض الجثامين، وهو ما يشكل انتهاكا للقانون الدولي.

وأضاف النجار: "هناك ملفات جاهزة لتسليمها لمحكمة لاهاي، ولكن الوضع القانوني بعد الاعتراف بفلسطين بصفة مراقب في الأمم المتحدة حتى الآن مجرد حبر على ورق، ولم يأت بأي نتيجة على كل القضايا، ومنها ملاحقة دولة الاحتلال على جرائمها.

 

حلول قانونية

المحامي في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان فريد الأطرش قال في حديثه لـ"الحال": "استمرار احتجازهم مخالف للقانون الدولي الإنساني ولاتفاقيات جنيف، سواء كانوا شهداء أو أسرى، ويجب إخبار ذويهم بمصيرهم والكشف عن مكان احتجازهم من قبل سلطات الاحتلال".

وأكد أن على السلطة الوطنية تفعيل الملف من خلال المؤسسات الدولية كالصليب الأحمر والأمم المتحدة بمؤسساتها المختلفة من أجل الضغط على الاحتلال الإسرائيلي لمعرفة مصير المفقودين، وفي حال كانوا شهداء، فيجب تسليم جثامينهم لذويهم لدفنهم بما يليق بكرامتهم.

ومن الناحية القانونية للتحرك، يقول الأطرش إن كل الحلول متاحة من حيث وضع السلطة القانوني، لكن الاحتلال حتى في القضاء ما زال يماطل في هذه القضية، ولا توجد قرارات حاسمة.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018