وثيقة حماس السياسية.. "تحول إستراتيجي" أم "خطوة تكتيكية"؟

 

أصدرت حركة حماس مؤخرًا، وثيقة سياسية، محاولة من خلالها الاستجابة للتغيرات السياسية والدولية والتحولات التي مرت بها منذ مرحلة التأسيس. 

وقد أثارت هذه الوثيقة الكثير من الجدل، حتى عندما تسربت بعض بنودها، وقد أعددنا في "الحال" هذا التقرير بناء على ما تسرب منها، خاصة أنها تتحدث عن العديد من التحولات، من بينها التأكيد على موافقة الحركة بوضوح على إقامة دولة على الأراضي المحتلة عام 1967، وهو الأمر الذي عارضته الحركة سابقاً، قبل أن تشهد العديد من التحولات التي دفعت قيادتها لتغيير وجهة نظرها. وبمجرد إصدارها، أثارت الورقة العديد من التساؤلات بخصوص ما إذا كانت هذه البنود الواردة فيها تعبر عن تغييرات جوهرية في استراتيجيات وأهداف الحركة، أم أنها مجرد "خطوة تكتيكية" من قبلها ليس إلا. 

 

الأهداف ثابتة

الكاتب والمحلل السياسي مصطفى الصواف قال لـ"الحال" إن الوثيقة لا تحمل جديداً لدى حركة حماس، منوهاً إلى أن فكرة إصدارها لم تكن "وليدة هذا الوقت بالذات"، فقد "أعلنت الحركة أنها بدأت بإعداد هذه الوثيقة منذ عامين"، وأن هذه الوثيقة قد توضح التغيير الحاصل في "تكتيكات" الحركة، إلا أن استراتيجياتها وأهدافها ستبقى ثابتة. 

وحول حديث بعض المراقبين عن وجود تناقضات بين ميثاق الحركة والوثيقة الجديدة، يرى الصواف بأنه "لا يوجد تناقض فعلي بينهما"، مشيراً إلى أن حماس هي حركة فلسطينية وطنية ولا ينفي وطنيتها البعد الإسلامي لها. كما أنها أكدت دوماً على أن "فلسطين بكاملها هي للشعب الفلسطيني"، وأنه على مدى سنوات طوال، رأت حماس –حسب قول الصواف- أن كل المؤتمرات واللقاءات والتفاهمات التي جرت  كانت "لتصفية القضية الفلسطينية"، وأنه موقف الحركة الآن هو "إقامة دولة فلسطينية على أي شبر من أرض فلسطين" مع عدم التفريط فيما تبقى منها.

 

موجهة للرأي العام الغربي

"إن بنود الوثيقة السياسية الجديدة لحركة حماس ليست موجهة للرأي العام الفلسطيني بالدرجة الأولى، بل للرأي العام الغربي والإقليمي، إذ تسعى حركة حماس منذ سنوات لفتح قنوات اتصال مع مختلف الأطراف الدولية، لكسب "شرعية الاعتراف" بها من قبل تلك الأطراف"، هذا ما يقوله المختص في الشؤون السياسية المحلية، مصطفى إبراهيم، حيثُ يضيف قائلاً: "إن التغيرات الكبيرة التي مرت بها حركة حماس، وصولاً إلى الاشتراك في العملية السياسية وتوليها إدارة الأوضاع في قطاع غزة، بعد أحداث الانقسام عام 2007 والقاعدة الجماهيرية التي حصلت عليها، دفعتها إلى تبني مواقف يمكننا تسميتها بأنها "مواقف تكتيكية" بحكم المرحلة الحالية التي تمر بها الحركة".

إن أحد أهم أهداف حركة حماس في الفترة الحالية، كما يقول إبراهيم، هو الحصول على الاعتراف الدولي بها، وتحقيق المزيد من "التغلغل المعترف به دولياً" في المشهد السياسي الفلسطيني، عبر الانخراط بشكلٍ أكبر في العملية السياسية، ودخول منظمة التحرير الفلسطينية، إلا أن ذلك لن يكون متاحاً لها ما لم تقم بتغيير لغة خطابها، وتقديم نفسها بشكلٍ يجعلها مقبولة بشكل أكبر للمجتمع الدولي، ولذلك جاءت بنود الوثيقة الجديدة للتأكيد على نقاط لا تهم الرأي العام الفلسطيني، على غرار توضيح عدم الخلط بين اليهودية والصهيونية، وتوضيح أن الحركة هي "حركة فلسطينية وطنية" بالأساس.

 

سيطلبون المزيد من التنازلات!

أما أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر بغزة، الدكتور ناجي شراب، فيرى أن الوثيقة لا تعدو أن تكون "درجة من درجات الاستجابة للتحديات التي تواجهها حركة حماس خلال الظروف الراهنة، مع السعي لاكتساب المزيد من الشرعية الإقليمية والدولية، وإرسال رسائل سياسية مختلفة لأكثر من جهة"، مع سعيها لفتح قنوات تواصل وحوار علنية مع الدول الغربية خاصة.

كما أن ميثاق حركة حماس -والكلام لشراب- لم يعد يوائم احتياجات المرحلة الحالية للحركة والتحديات التي تمر بها الآن، والتي تتطلب منها تقديم ذاتها بشكل جديد.

ومن جهة أخرى، يرى شراب أن هذه الوثيقة "لن تحقق تقارب الحركة مع وجهات النظر الفلسطينية الأخرى" مثل حركة فتح مثلاً، إذ إن برنامجيهما السياسيين لا يزالان بعيدين كل البعد عن بعضهما البعض، إذ إن حركة فتح ممثلة في رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس ما زالت متمسكة بخيار المقاومة السلمية وحدها، كما أنها معترفة بدولة الاحتلال الإسرائيلي، ما يعني أن الهوة بين الطرفين ما زالت كبيرة. 

ويتابع شراب: "العديد من بنود الورقة تركت بدلالات متعدة ويمكن تفسيرها على أكثر من وجه. فمثلاً، حركة حماس لم تؤكد انفصالها عن حركة الإخوان المسلمين، وهو ما سيبقيها في إطار المشكلة مع مصر وعددٍ من دول الخليج، كالسعودية والإمارات. كما أن الموافقة على دولة على حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 تعني بشكل ضمني الاعتراف بدولة الاحتلال، بغض النظر عن تأكيد الحركة على عدم اعترافها بها".

ويختم شراب قوله: "هذه الورقة لن تخرج حماس من أزماتها السياسية، كما أنها لن تفتح لها باباً للاعتراف بها على الصعيد الغربي، فالدول الغربية لن تكتفي بالمواقف التكتيكية التي من المنتظر أن تعلن عنها حركة حماس في وثيقتها السياسية الجديدة، بل ستطالبها بقبول شروط اللجنة الرباعية الدولية، وعلى رأسها الاعتراف بدولة الاحتلال والتخلي عن خيار العمل المسلح".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018