ناطقون محترفون باسم المؤسسة الأمنية في مواجهة الإعلام

 

يتمتع الناطقون الإعلاميون الرسميون التابعون للمؤسسات الأمنية بشعبية واسعة في أوساط الصحافيين المحليين، لسهولة الوصول إليهم وأخذ تعقيبهم على الأحداث أو القضايا الآنية، واستخدامهم السلس لوسائل التواصل الاجتماعي الحديثة.

"الحال" التقت عددًا من المتحدثين باسم المؤسسات الأمنية للحديث عن آلية عملهم، وسألت إعلاميين عن هذه الأصوات المحترفة. 

 

متحدث كفء دون ممنوعات

يتحدث الناطق الإعلامي باسم جهاز الشرطة المقدم لؤي ارزيقات، عن وجود إشكالية في التواصل في السابق، وتردد في نشر الأخبار وطرح المواقف، إضافة إلى عدم إدراك الدور المهام للإعلام، الأمر الذي أدركته القيادة الجديدة للأجهزة الأمنية، وسعت إلى تصحيح وتغيير الصورة النمطية للأجهزة. يقول: "نجحنا في عملية التغيير والتسويق، ولكن ذلك لا يدفعنا إلى إنكار حدوث خلل أحياناً أو أخطاء فردية، بل نعترف دائماً بالخطأ".

الناطق الرسمي باسم الدفاع المدني النقيب نائل العزة تحدث عن أهم مواصفات الناطق الرسمي لجهازه، وأولها أن يكون ملمّاً بكافة قضايا وأنشطة الدفاع المدني وإطاره القانوني، وذا علم ودراية بكافة الإدارات العاملة وطبيعة عملها وتفاصيلها، وليس آخرها أن يكون لبقاً في الحديث والتعامل، وذا قدرة على صياغة المفاهيم العامة بشكل مبسط للجمهور.

ويشدد العزة على عدم وجود أية معلومات لا يفصح عنها كناطق رسمي باسم الدفاع المدني للصحافة، إلّا تلك التي تخص قضايا خاضعة للتحقيق ومتابعة النيابة العامة، كقضايا الحرائق المتعمدة أو الخصومات الشخصية، مراعين في ذلك حقوق الناس في المحافظة على السرية.

 

منطق مهني

الناطق الرسمي باسم جهاز الضابطة الجمركية الرائد لؤي بني عودة، يرى أنه ليس من حق المؤسسة أن تستثني أي وسيلة إعلامية أو تحجب المعلومات عنها، وليس ثمّة معلومة يمكن حجبها عن الصحفي أصلاً، مشددا على حق الصحفي في الاستفسار عن أي معلومة مطروحة، من خلال البحث والتدقيق وتوجيه الأسئلة، كما أن من حق الناطق أن يقدم الإجابة السليمة للإعلام والرد على التساؤلات بـ "مبدأ مهني".

فيما يشير المقدم إرزيقات إلى أن كل المعلومات متاحة، ما عدا تلك التي يتم تأخيرها، إذا ما كانت تمس مجريات التحقيق أو ملاحقة المجرمين، أو التي تمس أمن الأسرة والنسيج الاجتماعي، مبينا أن 90% من الإعلاميين يتفهمون هذه الأسباب، ويضيف: "حتى الوسائل الإعلامية المعارضة، أو الوكالات التي تقوم بمهاجمة جهاز الشرطة، نتعامل معها بمهنية ولا نمتنع عن إجراء المقابلات معها، لا يوجد تضارب في الأهداف مع الإعلاميين، هم باحثون عن الحقيقة ونحن نسعى إلى توفير الأمن والأمان، إلا أن الصحفي يبحث دوما عن السبق".

ويتفق بني عودة مع العزة في أهمية عدم اللجوء إلى الارتجال أمام وسائل الإعلام، فكلاهما يبني تصريحاته على أسس معلوماتية وإحصائية مستمدة من غرفة العمليات المركزية. أما إرزيقات، فيؤمن أن لديه القدرة على الارتجال في المواضيع والسياقات العامة، كما تتوفر لديه المعلومات الكاملة حول الأحداث والمستجدات، أما الإشاعات فيرد عليها بالمعلومات الدقيقة والصادقة، ويتواصل مباشرة مع الوسيلة الإعلامية من أجل تصحيح الأخبار.

 

بكبسة زر!

مقدم البرامج في شبكة أجيال الإذاعية، الإعلامي محمد الرجوب يقول عن تجربته مع المتحدثين الرسميين: "نتعرض كصحفيين لمفارقة تستحق الوقوف عندها لغرض التصويب، وتتمثل في أن الجهات الأمنية أكثر انفتاحاً على وسائل الإعلام مقارنة مع الجهات المدنية، ومن تجربتي كصحفي، أستطيع الحصول على معلومات من الشرطة أو أي من الجهات الأمنية "بكبسة زر"، بينما هناك أزمة حقيقية في التواصل مع عدد من المؤسسات الحكومية المدنية التي يفترض أن تكون هي الأكثر انفتاحاً".

المدير العام ومقدم برامج في إذاعة (24 إف إم) الإعلامي إيهاب الجريري يؤكد تعاون ناطقي المؤسسة الأمنية مع وسائل الإعلام، معتبراً إياهم قادرين على الرد على أسئلة الصحفيين والمشاركة في البرامج الحوارية.

مدير البرامج والتحرير في إذاعة النجاح في نابلس عنان الناصر يرى أن هناك تقدماً ملحوظاً في أداء الناطقين باسم المؤسسات الأمنية، خاصة بعد أن تم تدريب طواقم مختصة في هذا السياق، ويقول الناصر: "إذا تحدثنا عن جهاز الشرطة، فإن هناك تقدماً ملموساً في التواصل من قبلهم مع وسائل الإعلام، وكذلك الأمر مع جهاز الدفاع المدني، فيما بدأ جهازا الأمن الوقائي والضابطة الجمركية في الآونة الأخيرة يخطوان خطوات مماثلة بالاتجاه الصحيح".

 

حجب معلومات

وعلى الرغم من هذا الإجماع من الإعلاميين على التقدم الملموس في تسهيل حصول الصحفي على المعلومة من الجهات الأمنية، فهل تحجب تلك الجهات أحياناً بعض المعلومات التي يفترض أن تكون متاحة، بحجة السرية والخصوصية؟

يجيب الرجوب بأن ذلك قد يحصل أحياناً، مع إدراكه التام لأخلاقيات الصحافة ومعرفته لما هو متاح نشره بالقانون أم لا، بيد أنه يستكمل دوره كصحفي ليستقي المعلومة من مصدر آخر. أما إيهاب الجريري فيؤكد بحزم أنه "لم يشعر يوماً أن المؤسسات الأمنية تعطي الصحفي كل المعلومات، فغالباً هناك معلومات يتم حجبها تحت ذريعة الحفاظ على خصوصية المواطن"، كما يذكر الجريري حادثة مقتل (أحمد حلاوة) السجين الجنائي في نابلس الصيف الماضي، وهي من القضايا القليلة التي اضطرت الأجهزة الأمنية إلى عدم تقديم الحجج والروايات الخاصة حولها، وذلك بسبب تصريحات محافظ نابلس التي أوضحت القصة حينها، ويضيف معقبا: "إذا لم تكن تمتلك دلائل قوية أثناء الحوار، فلن تتمكن كإعلامي من تفنيد روايتهم".

وإذ يجد الجريري أن عددا كبيرا من الناطقين قادرون على تسويق مواقف مؤسساتهم بـ "شطارة"، فإنه يؤمن أن لكل مؤسسة أمنية روايتها التي تريد فرضها على الوسائل الإعلامية، لا سيما في القضايا الأكثر جدلا، ويرى أن "الإعلامي أكثر ذكاء من المتحدثين باسم المؤسسة الأمنية وهو قادر على تصنيف أهمية الأخبار ومدى مصداقيتها، ولو يلجأ إعلام المؤسسات الأمنية إلى إصدار قرار بمنع النشر في بعض الأحداث الحساسة بطريقة مهنية لكان خيرا لهم ولنا".

ويؤكد منسق المتابعة والتقييم في مركز تطوير الإعلام- جامعة بيرزيت عماد الأصفر، وقد قدم دورات لأجهزة أمنية حول التعامل مع الإعلام، أنه لا بديل عن التدريب لأي شخص يعمل في هذا المجال مهما كان محترفاً، لأن الوسائل والوسائط الإعلامية تتطور باستمرار، لافتاً إلى أن الناطق الإعلامي المحترف بات عملة نادرة، فالأمر ليس مرتبطاً بالمعرفة وحدها، وإنما بالمهارة والموهبة والكاريزما والقدرات اللغوية والسمعة الطيبة، وغير ذلك. ولا ينفي الأصفر وجود بعض الإخفاقات النابعة من صعوبة وجدلية القضايا التي يتحدثون عنها أحياناً، وحجم الآمال التي يعلقها الجمهور على المؤسسة الأمنية، وأبرز هذه الإخفاقات؛ إخفاء المعلومات والتباطؤ في نشرها، والنبرة الخطابية المشحونة بالعاطفة.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018