لا غيوم حرب في سماء غزة قريباً

تصريحات قادة الاحتلال الإسرائيلي بشن حرب رابعة على غزة بين الحين والآخر، تثير مخاوف سكان القطاع الذي لم يبرأ بعد من جروحه جراء الحروب السابقة، في الوقت الذي يؤكد فيه محللون سياسيون أن تلك التصريحات ما هي إلا حرب ودعاية نفسية هدفها بث الخوف ونشر الذعر بين المواطنين، علاوةً على محاولة الاحتلال إثبات قدرته العسكرية في ردع أي هجوم مضاد قد يصدر من غزة  بغية طمأنة سكانه، وزيادة الهجرة الوافدة إلى إسرائيل على اعتبار أنها بقعة آمنة.

فقد أكد المحلل السياسي والمختص في الشأن الإسرائيلي، مأمون أبو عامر لـ "الحال"، أن خيار الحرب الرابعة على غزة مستبعد في ظل المعطيات الحالية، إذ لا يمكن أن تغامر حماس أو إسرائيل بمواجهة جديدة، في ظل حالة الاستقرار التي تسود المنطقة، فضلاً على إيمانهما بعدم جدوى الحرب، منوهاً إلى أن بعض الأطراف الخارجية تحاول جر إسرائيل لإعلانها لأهداف سياسية ترمي إلى إضعاف شوكة حماس في القطاع.

وأضاف أبو عامر: "لا توجد لإسرائيل نية حقيقية لشن حرب على غزة، لعدم وجود أهداف استراتيجية كبيرة من شأنها تغيير الواقع الحالي وإحلال متغيرات جديدة في صالحها في حال اعلنتها، فضلاً على أن الهدف السياسي وهو اسقاط حكومة حماس غير وارد طالما أن الأنقسام قائم والأزمة مشتدة بين السلطة الفلسطينية وحماس". 

وتابع حديثه: "إسرائيل هي المستفيدة الأولى جراء هذا الانقسام، فهي تسيره وفق ما ترتضيه مصالحها".

أما فيما يتعلق في الجانب الفلسطيني، فأوضح أبو عامر أن حماس لا يمكنها تحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية على أرض الواقع خلال الحرب القادمة، لا سيما أنها معنية بإبقاء الوضع على ماهو عليه، مُرجعاً السبب إلى أنها أصبحت تفكر بعقلانية خاصة أن الدمار الذي حل في القطاع جراء الحروب السابقة لا يزال قائماً.

وعن محاولة إسرائيل استدراج حماس لحرب ٍرابعة عبر اغتيال أحد قادتها العسكريين في قطاع غزة مازن الفقهاء نهاية شهر آذار الماضي، بين أبو عامر أن نهج الاغتيالات ليس جديداً على المخابرات الإسرائيلية، فهي تحاول من خلاله نقل الصراع من الإدارة العسكرية إلى الإدارة الاستخباراتية، التي تمكنها من السيطرة على الوضع والتنصل من أي تبعات أخرى على خلاف الحرب، لافتاً إلى أن إسرائيل توقعت أن ترد حماس عسكريا،ً إذ أعلنت مناورة عسكرية مفاجئة على الشريط الحدودي مع القطاع، وشددت حواجزها الأمنية تحسباً من احتمالية تطور الموقف.

ولفت إلى أن حماس ستلجأ إلى الرد في ساحات الضفة الغربية بعيداً عن قطاع غزة، مؤكداً أن إسرائيل أرادت إرسال رسالة واضحة لحماس مفادها أنها لن تسمح لعناصرها من قطاع غزة بالتخطيط لأعمالٍ عسكرية في الضفة.

وأضاف: "لا يوجد ضمان على عدم تصعيد الموقف من قبل حماس إن مضت إسرائيل في أسلوب الاغتيالات، وقد تأتي الحرب على حين غرة".

من ناحيته، قال أستاذ الشؤون الإسرائيلية في أكاديمية فلسطين للعلوم الأمنية، ناجي البطة لـ "الحال": "الحالة في شكلها الظاهري قد تقودنا باتجاه حربٍ جديدة، ولكن المؤشرات الفعلية على أرض الواقع تنفي ذلك بشدة".

وأكد أن حماس أصبحت أكثر قدرة على امتصاص الصدمات من ذي قبل، رغم الأقوال التي راجت بعد تولي العسكري يحيى السنوار قيادتها داخلياً عقب فوزه في انتخاباتها الداخلية الأخيرة، بأنه سيودي بالقطاع إلى حرب جديدة، مبيناً أن حماس تنظيم مقاوم وليست دولة، وأدواتها مهما بلغ تطورها تبقى دفاعية وليست هجومية.

وبين أن داخلية غزة لم تُحمِّل إسرائيل بشكل كامل مسؤولية اغتيال الفقهاء، موضحاً أن إسرائيل تعيش صراعاً داخلياً جراء انخفاض أعداد الهجرة الوافدة عليها وهو ما يدفعها إلى التمسك بخيار الهدنة، وإبقاء المنطقة هادئة بعيدة عن ساحات الحرب.

من جهته، أكد المختص في الشؤون الاسرائيلية، محمد مصلح، لـ "الحال" أن هناك حالة تحدٍّ وتوظيف داخلي أمني إسرائيلي عقب استلام "ليبرمان" إدارة الجيش بعد "يعلون"، إذ يريد الأول إثبات قدراته تمهيداً لترشيح نفسه لرئاسة الحكومة الإسرائيلية، منوهاً إلى أن التصعيد على غزة في هذه الفترة في مجمله تصعيد شفهي.

وأوضح أن زيارة المبعوث الأمريكي لإسرائيل ولقاء الرئيس المصري مع نظيره الأمريكي، يدلل على أن هناك طبخة سياسية يجري إعدادها للأراضي الفلسطينية خاصةً قطاع غزة، ولفت إلى أن تصريحات أبو مازن الأخيرة قد تؤشر إلى أن المرحلة القادمة سيئة جداً، خاصة إن لم تستجب حماس لعروض اللجنة السادسية.

ورأى مصلح أن اغتيال الفقهاء كان هدفه جر حماس لشن معركة ضد إسرائيل وتحدٍّ لها في قدرتها على إعلانها من طرفها، خاصة أن "ليبرمان" هدد المقاومة في حال أطلقت رصاصة على الجدار الإسمنتي العازل الذي يقام على الشريط الحدودي مع القطاع حالياً، منوهاً إلى أن إسرائيل مستعدة للحرب وفق ترتيبات سياسية معينة، علماً أن الجو المحيط يحفز على الدخول في حربٍ جديدة للتخلص من سيطرة حماس على القطاع.

وقال مصلح: "فشل الإخوان المسلمين في إدارة مصر، جعل حماس تفكر بعقلانية في كل خطواتها، وهي معنية بالهدوء وإثبات قدراتها على السيطرة على القطاع في القطاعات كافة، والتروي في كل ردود أفعالها".

وتابع: "الضغط على حماس من إسرائيل قد يدفعها إلى تفعيل بعض الخلايا النائمة في الضفة الغربية، مع مراعاة عدم جرِ غزة إلى حجيم الحرب، إذ اقتنعت بأن نظرية الحسم العسكري للمعارك سلبي بمفهومه العام، فضلاً عن أن تأثير كل الحروب وقتي، والنصر معنوي". 

وأكد أن إسرائيل لن تجازف دون تحقيق انتصار ملموس على أرض الواقع، مبيناً أن إسقاط حماس هدف بعيد المدى لا يمكن تحقيقه إن شنت إسرائيل الحرب خلال هذه الفترة، وهذا ما يدركه قادتها، ويدفعهم للتفكير بعيداً عنها.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018