فلسطين: شتاء خجول وصيف ساخن

 

بدأ الأربعيني مهيوب فقهاء، الذي يقطن في تجمع الحمة بالأغوار الشمالية، صيفه مبكرًا هذا العام، وصار عليه توفير صهاريج المياه لمنزله وأغنامه في عز الشتاء.

يقول: سيكون صيف هذا العام كـ"الضيف الثقيل"، وسيصبح توفير الماء في الأغوار أمنية كبيرة، سنعجز عنها بسبب ملاحقة الاحتلال لنا، ولشح الأمطار، الذي حرق المحاصيل أول الربيع.

 

لا جفاف رسميًا

ويتوقع وكيل وزارة الزراعة عبد الله لحلوح ألا يتم إعلان الجفاف للموسم الحالي، مشيراً إلى أن ذلك يكون حال قلّة الأمطار عن نصف معدلها، لكنها وصلت بالمجمل إلى 70% هذا العام.

ويضيف: هناك تغيرات مناخية، وتذبذب في الأمطار ليس في فلسطين بل في العالم، وصرنا نتعرض لبرودة، وموجات حرارة، وصقيع، وفيضانات، وظروف مناخية متقلبة تؤثر على المزروعات، وكانت أمطار بداية العام مفيدة للمراعي، والمحاصيل الحقلية، والأشجار المثمرة المزروعة حديثة، لكن انقطاعها في آذار سيؤثر على المخزون الجوفي للمياه، والأشجار المثمرة، والزراعات المروية.

ويوضح لحلوح أن وزارته  تعمل على الحصاد المائي، وحفر آبار الجمع لمساعدة المزارعين على الري التكميلي في البستنة الشجرية.

 

احتلال مائي

ووفق مدير عام مجموعة الهيدرولوجيين في الشمال المهندس سامي داوود، فإن قلة الأمطار ستؤثر على المخزون المائي والينابيع وآبار الجمع، وستنعكس في الكميات التي تزودنا بها شركة "ميكروت" الإسرائيلية.

ويقدّر أن يكون الصيف الحالي شديدًا على المواطنين مقارنة بالصيف الماضي، وخاصة في مناطق جنين الشرقية، وكامل الخليل، وبعض تجمعات سلفيت، ونابلس، التي تعتمد على مياه الأمطار، ولا توفر احتياجاتها من آبارها الجوفية، وتنتظر ما يسمح الاحتلال بضخه.

ويوضح داوود أن حصة الفلسطيني بين 60-70 لترًا يوميًا لكافة الاستخدامات، بينما توصي منظمة الصحة العالمية بـ 130 لتراً كحد أدنى، وينهب المستوطنون بين 5-7 أضعاف ما يصلنا، ويسيطر الاحتلال على 85% من مياهنا، ولا يسمح لنا بتطوير مصادرنا، ويمنعنا من حفر الآبار، وإقامة السدود.

ويبيّن أن ما يصل لآبار الجمع نحو 80% من المتساقطات السنوية، بينما تذهب قرابة 20% من الأمطار لتغذية المياه الجوفية، لكن تراجع الأمطار أثر على الينابيع (كمثال كانت  قدرة عين الفارعة 600 متر مكعب في الساعة، لكنها جفت منذ سنوات).

ويُقدر داوود العجز المائي بـ 120 مليون متر مكعب سنويًا، فيما الحال في غزة أصعب وتتلوث قرابة 95% من مياهها، وتستهلك 50% زيادة عن مخزونها. أما جوهر الأزمة فسببه غياب سيطرتنا على المياه، وخلال 20 سنة لم نحصل إلا على جزء من حقوقنا المائية، وأخلت إسرائيل بكل الاتفاقات.

ووفق داود، هناك ضرورة لتطوير الآبار الجوفية، وزيادة الحصاد المائي، وإقامة سدود صغيرة، وبرك ترابية، وحفر آبار جوفية، لتقليل العجز الذي يتفاقم كل عام. في وقت بدأت بعض آبار أريحا بالجفاف، وزادت ملوحتها، وانخفضت مستوياتها في الجفتلك والفارعة وجنين؛ نظراً لاستنزافها، وتراجع الأمطار.

 

حرارة وتصحّر

ويفيد الباحث ومسؤول تحرير مجلة "آفاق البيئة والتنمية" جورج كرزم أن التقديرات المناخية في منطقتنا تشير إلى فترات طويلة من الأشهر الساخنة جدًا وارتفاع كبير في الحرارة خلال الصيف المقبل؛ ما سيفاقم أزمة المياه المتفاقمة أصلا بسبب الهطول المطري الآخذ في التناقص.

وبحسب كرزم، فإن فلسطين التاريخية تقع في المنطقة التي ستخضع لعملية تصحر خلال العقود القريبة القادمة. وكما الحال في المشرق العربي وغرب آسيا إجمالاً، فإن الضفة الغربية وقطاع غزة حساسان ومكشوفان للتغير المناخي، بل إنهما من الناحيتين الاقتصادية والسياسية أقل قدرة على مواجهة الصدمات الناتجة عن التغير المناخي، مقارنة مع دول كثيرة.

ويقول: موجات الحرارة الكبيرة المتتالية خلال الأشهر القادمة ستزيد الأراضي الزراعية جفافا. لذا، يفترض العمل الجدي على تشجيع الزراعة المعتمدة على الجمع بين الوسائل الزراعية الطبيعية والميكانيكية السابقة، بعيدًا عن الكيماويات، بهدف التقليل إلى حد كبير من تآكل الأراضي وتدهورها، ومن الضروري اتباع الطرق الوقائية التي تتضمن أنماطًا زراعية طبيعية وعضوية تعزز استقرار التربة وتماسكها وخصوبتها.  

ويضيف: لتعزيز تماسك التربة وتثبيت استقرارها يمكن تغطيتها بالمواد العضوية الخصبة كالسماد الطبيعي، إضافة إلى تقليل الحراثة للحد الأدنى، لأن الحراثة المفرطة تضعف النشاط البيولوجي داخل التربة، وتُحطم بعض المكونات البيولوجية والأحياء الدقيقة المفيدة والمخصبة.  

 

موسم دون المعدل

ويؤكد مدير عام الأرصاد الجوية المهندس يوسف أبو أسعد، أن أمطار الموسم الحالي شكلت بين  60- 75% من معدلاتها السنوية.

ويقول: الأمطار المغذي الرئيس لخزانات المياه الجوفية الأربعة: الجوفي الساحلي في غزة، والشرقي، والغربي، والشمالي الشرقي في الضفة، وأدى نقصها هذا العام إلى تراجع المياه المتجددة، ما أثر سلبًا على المخزون الجوفي للأحواض بنحو 30%.

ويشير أبو أسعد إلى عدة أنواع للجفاف: الهيدرولوجي، والزراعي، والمتعلق بالأرصاد، والمؤثر على المواطنين. ويوضح عدم وجود اتفاق وطني (أطرافه: الأرصاد الجوية، ووزارة الزراعة، وسلطة المياه) على أن العام الحالي كان جافاً؛ لأن إعلانه يعني تعويض الحكومة للمزارعين والمتضررين.

ويؤكد أن انحباس الأمطار في تشرين الثاني وكانون الثاني أثر على القطاع الزراعي، لكن الجفاف يعني، وفق الأمم المتحدة، تراجع الأمطار دون معدلاتها لثلاث سنوات متتالية، وهو ما لم يحدث (تجاوزت المعدل عام 2015 في معظم المناطق، وفاقته خلال موسم 2016 في غزة والجنوب، وقلّت في الشمال).

ويضيف: انعكس نقص الأمطار على الزراعات البعلية كالخيار والفقوس، وأشجار الزيتون والعنب واللوزيات؛ ما يعني تدهور المحصول، إضافة إلى تراجع الآبار السطحية والينابيع وجفافها قبل وقتها، غير أن الآبار الجوفية لن تتأثر كثيرًا لعمقها.

ويوضح مدير عام الأرصاد الجوية أن فلسطين لن تعاني أزمة مائية في الصيف، لو كانت تسيطر على خزاناتها الجوفية، غير أن الاحتلال يصنع الأزمة، ويتحكم بنسبة ما يزودنا به عبر شركة "ميكروت". 

ويؤكد أن المستوطنين في الضفة لن يعانوا العطش، لكن التجمعات الفلسطينية ستعتمد في ذلك على ما ستسمح إسرائيل بوصوله.

ويوضّح أن شح الأمطار للمناطق المختلفة متشابه، لكن الحال في شمال الضفة كان أكثر بنسبة قليلة من جنوبها، غير أن كل المناطق ستتأثر هذا الصيف.

 

زراعة مهددة

وحسب مدير عام المياه الزراعية في وزارة الزراعة عصام نوفل، فإن الشتاء الحالي شهد تذبذبا في الأمطار، وحدثت انقطاعات في أشهره، وتركزت الهطولات في كانون الأول، وأثر ذلك على الزراعة الشتوية والصيفية كالسمسم والحمص والبامية.

ويتوقع أن تعاني مناطق أريحا وجنين هبوطًا في مستوى المياه الجوفية، يمكن أن يؤدي إلى جفاف الآبار ومعظمها خاصة، مثلما ستجف ينابيع كالعوجا، في وقت بدأت عمليات الري هذا الموسم مبكرًا في شباط وآذار كجنين وطولكرم وقلقيلية، وكانت تتأخر لنهاية نيسان وبداية أيار في الأوضاع العادية.

ويضيف نوفل أن تدخل وزارة الزراعة إرشادي كالري بطريقة صحيحة، وتجنب الهدر في خطوط المياه التالفة، وتنمية وإعادة تأهيل الآبار القائمة.

وينهي: سيكون قطاع الزراعة هذا الصيف صعبًا، وستترتب على المزارعين مسؤوليات وكلفة إضافية، وربما سنشهد تراجعًا في مساحة الأراضي المزروعة.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018