زراعة الكلى.. رحلة طويلة وصعبة بين غزة وبريطانيا

مع تزايد أعداد مرضى الكلى في غزة التي تقدر بــ 13% سنوياً، أصبحت الحاجة لزراعة الكلى أمرًا ملحًّا، لا سيما أن هناك نقصا حادّاً في الأدوية والمحاليل الطبية المستخدمة في الغسيل الكلوي، ما يؤدي إلى زيادة تدهور حالات المرضى ومن ثم وفاة بعضهم متأثرًا بعدم الغسيل أو تأخره لفترة.
ويرجع سبب تدهور الحالات أيضاً إلى ارتفاع تكاليف الغسيل في المشافي الخاصة ومصاريف العلاج بالخارج؛ لإجراء عمليات الزراعة، حيث يبلغ معدل تكلفة العملية أكثر من 20 ألف دولار، فضلًا عن الحصار الخانق على القطاع وجميع المرافق والقطاعات منها؛ القطاع الصحي واستهداف المشافي وقطع الإمدادات الطبية عنها، بالإضافة لانقطاع الكهرباء بشكل مستمر.
وقد نجح الأطباء في مستشفى الشفاء في زراعة كلى لعدد من المرضى، وهذا النجاح لم يكن بالأمر السهل، فرحلة زراعة الكلى تمر بالعديد من الصعوبات.

وعن رحلة زراعة الكلى قال رئيس قسم الكلية الصناعية في مجمع الشفاء الطبي الدكتور عبد الله القيشاوي: "بعد التفكير والتخطيط لعدة شهور، تمّ تشكيل لجنة لزراعة الكلى في القطاع للتواصل مع فريق طبي متخصص من المملكة المتحدة والأردن لوضع اللبنات الأولى لاختيار المرضى وتوفير أجهزة لفحص الأنسجة".
وأضاف: " كانت البداية صعبة في اختيار الحالات، وخاصة مع قدوم وفد لزراعة الكلى، وخاصة أنه يتوجب إجراء العملية لشخص في غزة كتجربة أولى"، منوهاً إلى أن جميع المرضى كان لديهم تخوف من الخضوع للتجربة.

 

الحالة الأولى

وذكر القيشاوي أنهم تواصلوا مع أقسام غسيل الكلى في قطاع غزة لتحديد المرضى والبحث عن مرضى تم فحص الأنسجة لديهم في الخارج ما بين المريض والمتبرع وكان هناك تطابق.

واستعد المريض محمد ظهير لإجراء العملية فقد كانت زوجته قد تطابقت أنسجتها معه وقد استعدت للتبرع له حيث خاضوا معاناة كبيرة خلال الأشهر السابقة لإجراء العملية في جمهورية مصر العربية في محاولة لزراعة الكلى وبتكلفة باهظة، إلا أنهما لم يستطيعا إجراءها.
وقد دخل ظهير غرفة العمليات الساعة التاسعة من صباح الخميس 24/1/2013، في مجمع الشفاء الطبي، ليستمر سبع ساعات متواصلة في الغرفة، وتتكلل العملية بالنجاح، ليتوالى إجراء 32 عملية زراعة كلى في غزة بنجاح، والكثير ما زالت أسماؤهم في قائمة الانتظار.

 

معاناة مستمرة 

ولئن نجحت زراعة الكلى، لكن تكمن المشكلة وفق القيشاوي بعدم توفر أجهزة لفحص التطابق ما بين أنسجة المريض والمتبرع، ليضطر الطبيب عبد القادر حماد استشاري جراحة زراعة الكلى ورئيس وحدة زراعة الأعضاء في مستشفى رويال ليفربول ببريطانيا الذي كان سبباً في بداية تحول حلم الزراعة لفكرة ومن ثم لواقع أن يأخذ معه عينات الدم لعدد من المتبرعين والمرضى ويجري ببريطانيا الفحوصات والتحاليل الأزمة، فمن الصعب إجراء الفحص في الضفة الغربية أو إسرائيل.
رحلة عينات الدم من غزة لبريطانيا يجب ألا تستمر أكثر من 48 ساعة لفساد العينات بعد هذا الوقت مع وجود كتاب رسمي أن هذه العينات هي لمرضى فشل كلوي من وزارة الصحة، لذلك يحاول د. حماد السفر بسرعة عبر معبر أبرز ومن ثم إلى المطار ومنها لبريطانيا محافظاً عليها في درجات حرارة معينة.
هذه الرحلة يقوم بها الطبيب حماد بشكل مجاني رغبة منه في تخفيف المعاناة عن أهل غزة ليرسل لهم بعد ذلك نتائج التحليل، وينتظر من تطابقت أنسجتهم عودة الطبيب مرة أخرى لإجراء العملية.

هذا العمل متعب جدا، حسب القيشاوي، ولن يستطيع د. حماد طوال عمره الاستمرار بهذه الرحلة، والمشكلة الرئيسية حالياً هي عدم وجود جهاز فحص الأنسجة لأنه مرتفع الثمن رغم وجود جهود حثيثة لدى الوزارة للحصول عليه من متبرعين ومن ثم وجود جراح رئيسي لإجراء هذه العملية.

وأضاف: "تم تدريب كادر طبي من 11 شخصا وهم من العاملين في الفريق الجراحي في قطاع غزة، فتلقوا تدريبات على زراعة الكلى في مستشفى ليفربول في بريطانيا قبل سنتين على يد الطبيب حماد لمدة شهرين، ولكن بسبب الحصار لم نستطع إكمال هذا التدريب، حيث هناك طبيب وفني ينتظرون اليوم فرصة فتح المعبر للخروج والتدرب في بريطانيا ليتم الاعتماد عليهم في زراعة الكلى".
في الوقت نفسه يجد القيشاوي أن هذا المشروع ورغم كل الصعوبات بارقة أمل لأكثر من 382 مريض كلى يتلقون غسيل كلى في مستشفى الشفاء فقط، وقد ساهم هذا المشروع في تخفيف المعاناة عن مرضى المسالك البولية والفشل الكلوي، بعلاجهم وتحسن حالتهم الصحية، وتوفير التكاليف المادية التي يعجز عنها المرضى وذووهم، كما توفر لهم عناء السفر للخارج للعلاج وزراعة الكلى. كما تساهم في التنمية المحلية والتخفيف عنها فلا توجد في مستشفى الشفاء إلا أربع غرف، وفي كل غرفة 12 جهازا قديما، وفي كل غرفة ممرض يتنقل بين المرضى، حيث يحاول التأكد من استمرار جلسة الغسيل وبذلك لا يحصل المريض إلا على جلستين أو ثلاث، وهذا غير كافٍ، ما يسبب ضغوطا كبيرة للجسد، ويترك المرضى في أوضاع معيشية سيئة.

وينتظر أكثر من 500 مريض على الأسرّة البيضاء، منهم 25% يحتاجون لزراعة كلى، ووصول الأجهزة وتدريب الكادر الطبي لافتتاح قسم خاص بزراعة الكلى ليساهم في شفائهم.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018