دور النشر في الداخل: صمود في وجه تحولات ورقية واقتصادية صعبة

 

بالرغم من الحصار السياسي والثقافي والاجتماعي، استطاع مثقفون وكتاب من الداخل المحتل فتح نافذة تواصل ثقافي على العالم العربي التي شكلت

لديهم متنفسا من الحصار، وصمدت الحركة الثقافية في وجه الاحتلال وأصبحت منشوراتهم تصل إلى الدول العربية والعكس صحيح، لكن ما زالت هناك أزمة تُعاني منها دور النشر في الداخل لنشر الاصدارات على مستوى العالم العربي مادياً بالدرجة الأولى، حيث ان بعض الكتاب في الداخل المحتل باتوا يتعاونون مع دور نشر خارج فلسطين لسهولة توزيع اصداراتهم.

في حديث لنا مع الكاتبة رجاء بكرية حول مساحة الحرية الممنوحة للكاتب ودار النشر في الداخل المحتل، قالت: "بطبيعة الحال، كما كل نظام آخر في العالم، يريد أن يحمي حدود حريّاته، تفعل الحكومة الإسرائيليّة ذات الشّيء بأجهزتها ومجسّاتها الخاصّة". 

وتابعت قائلة: "انا أعتبر الرّقابة هنا أقل مثلا في شؤون الجسد، وأعني الكتابة الإباحيّة، والمجتمعيّة لا تناقش، والسياسيّة في القليل النّادر، ذلك لأنّ الثّقافة الإسرائيليّة مهما دسنا على أرصفتها نجد أرصفة احتياطية للدّعس والدّوس وممارسة الرّياضة، فما يجاز لكتّابهم يجاز لنا، وأساسا لا يعنيني ما يمنحنونه وما لا يمنحونه، لأنّ ما سأكتبه لا يخضع لشروط أيّ طرف لديه برنامج شمّ للأثر والتعقّب". 

وأضافت: "الأهم لديّ أن أقول كلمتي بأبعادها السياسيّة الفكريّة والجسديّة، هذا قانون التّعبير لديّ: أن لا قانون يحكمه مهما استدارت جهاته".

وحول صعوبات يواجهها الكاتب في نشر انتاجه، تابعت: "واجهت صعوبة النّشر في أوّل كتاب أصدرته وهو "مزامير لأيلول" لكنّي لم أفكّر بأبعد من جيب أبي كي يموّله على ورق صقيل غال، كأنّه أجمل ما ستعرفه الثّقافة الفلسطينيّة، ولا يهم أنّه لقي من الصّمت والتأمّل أكثر ممّا لقي من النّقد، لكنّه كان ضحيّة ضروريّة لمسيرتي كمشروع كاتبة". واعترفت لنا الكاتبة قائلة: "روايتي الثّانية موّلتها وزارة الثّقافة الإسرائيليّة، القسم العربيّ، عواء ذاكرة"، لكنّ وشم إسرائيل عليها شكّل سدّا أمام وصولها للقارئ العربي. وببساطة رفضت الرواية وبقيت محتجزة في غرفتي حتّى شرّع لها مؤتمر الرّواية الفلسطينيّة في القدس الشرقيّة النّوافذ والأبواب".

 

دور نشر صغيرة

وأكدت بكرية: "الحاصل أنّ الحصار الذي فرض علينا هو حصار سياسي بحت مرجعيّاته قومية، وأعني أنّ هويّتنا المزدوجة سبب فيه".

وتابعت بكرية حديثها: "حين قررت كسر هذا الطّوق لم يوقفني أحد، فقد أنجزت "امرأة الرّسالة" وأنا على يقين أنها ستصل إلى عالم عربيّ كبير، وهكذا كان. تبنّتها دار الآداب، ومكّنتها من حضور مشرّف، وكانت ضمن الرّوايات الأكثر مبيعا حتّى أنّها زُوّرت عدّة طبعات منها، وهكذا كسرت جدار خزّاني الشّخصي".

وقالت بكرية: "سعيدة لأنّ رواياتي تحتلّ مكانة لائقة بالرّواية الفلسطينيّة، وتصدر خارج حدود الـ 48 لأنني أعتبر صدورها هنا لا يمنحها جوازا مفتوحا للعالم، والشّرفات التي تطلّ منها عالية، وبالكاد تراها الشّمس".

وأنهت بكرية حديثها: "دور النّشر هنا على قلّتها لا تستطيع أن تحقّق لروائيّ طموح لديه مساحة واسعة من الثّقة والأمل، والحضور، أيّا من مطامع الانتشار بعيني ولو كانت تستحقّ، ليس استخفافا ولكن لأنّ حضورها متواضع جدا".

 

رقابة إلكترونية أكبر

وفي ذات السياق، قال الكاتب منتصر منصور: "إن الصعوبة التي يواجهها الناشر هي تواصله مع العالم العربي في ظل حالة العداء بين دولة الاحتلال وبعض الدول العربية كسوريا ولبنان والعراق".

وتابع منصور: "هذه الصعوبة تنعكس على الكتاب لأنهم بحاجة التواصل مع الدول العربية بعد المجهود الذي يبذلونه في مجموعاتهم الروائية والشعرية وبالتالي يطمحون ليكون ذلك جسر تواصل بينهم وبين الدول العربية وأهلهم في الشتات".

وأضاف: "برأيي، دور النشر معدومة عدا واحدة وهي دار راية للنشر لصاحبها الكاتب بشير شلش في حيفا، وتعاونت معهم بإحدى مجموعاتي".

وتابع منصور: "في العام 2010 أصدرت مجموعتي "عندما تجهض الحرية" عن دار الفارابي في بيروت، وحصلت على مئة نسخة من معرض عمان الدولي واقتنيت حينها بعض الكتب لمجموعة من الكتاب واستطعت تمريرها عن المعبر، لكن في الـ 2014 عندما حصلت على 300 نسخة لنفس المجموعة تم التحقيق معي اثناء عودتي على المعبر وبعد شهر من ذلك تم اصدار قرار بمصادرة جميع النسخ".

وقال منصور: "لم اسمع عن دار نشر او مطبعة تمت مراقبة منشوراتهم باستثناء الكاتبة دارين طاطور التي تم اعتقالها بسبب منشوراتها، فنحن مراقبون بطبيعة الحال فيسبوكيا والكترونيا، لكن لا يوجد لدي معلومات دقيقة عن وجود جهاز لمراقبة المطبوعات".

واضاف: "هناك رقابة فعلية لما يدخل من كتب الى الداخل الفلسطيني سواء من الضفة او الدول العربية وهذا شيء لا شك فيه".

وأنهى منصور حديثه قائلاً: "بدأت هناك مطبعة تتحول إلى دار نشر وتشترك في معارض كتب وتكون موجودة في سوق النشر وهي دار الهدى في كفر قرع، وبالرغم من صعوبة التواصل لكن هناك محاولات عدة للنشر هنا وهناك".

وفي ذات السياق تحدث صالح العباسي مدير دار "كل شيء للنشر" الحيفاوية قائلاً: "الرقابة لا تتدخل في الاصدارات التي تصدر في الداخل ولا في تصديرها للخارج، فقط يهمها ما نستورد من الخارج ويجب ان نرسل العناوين التي نريد ادخالها للرقابة العسكرية حتى نحصل على اذن رسمي بدخول الكتب للداخل".

وأكد عباسي قائلاً: "الكتاب لم يعد مطلوبا كما كان في سنوات الثمانين والتسعين، فأصبحت هناك صعوبة على الناشر لإصدار الكتب بدون مساهمة مؤلفيها خاصة في مجال الشعر".

وأضاف العباسي: "نحن بالتنسيق مع وزارة الثقافة الفلسطينية نقوم بالمشاركة في جميع معارض العالم العربي في مصر وتونس والجزائر وبيروت، ويكون لنا جناح تحت اسم دولة فلسطين".

وتابع العباسي: "هناك تتم مساهمتنا في توصيل الكتب للمخيمات الفلسطينية ويكون منها كتب للاطفال وغير الاطفال بهدف التبرع لهم".

وأشار العباسي الى ان مشاركتهم في معرض القاهرة الغيت لاول مرة منذ الثمانينيات وذلك يعود لسبب ارتفاع الدولار لـ 20 جنيها مصريا ما لا يمكنهم من البيع في مصر، فهناك كتب للأطفال سعرها لا يقل عن 8 دولارات أي 160 جنيهاً، ويُعد ذلك محرجاً لهم امام الشعب المصري.

وأنهى العباسي حديثه قائلاً: "نحن فقط نعاني من الطلب على الكتب الورقية الذي قل في الآونة الأخيرة، ما ادى الى التراجع المادي الذي جعل الناشر يحتاج لمساهمة الكاتب".

  • طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018