"حياة وموت المنفى بدل فاقد عن حياة وموت حقيقيين في الوطن".. غنام غنام

 

لا يعترف المخرج المسرحي الفلسطيني غنام غنام بحياة وموت المنافي، بل يعتبرهما نسختين بديلتين عن حياة وموت حقيقيين يجب ان يحدثا في الوطن، وضمن هذه المصفوفة الفكرية يعتبر غنام ان مسرحيته "سأموت في المنفى" جاءت لتحفيز ذاكرة الوطن في النفي، لتظل تروي وتروي حتى تصير الحياة كلها رواية وذاكرة، وحبلا سريا يمتد ويبدأ رأس الخيط فيه بالشخص المنفي ويمتد حتى يصل الى الوطن الام.

مسرح بالحوار هو ما جسده غنام في عمله الجديدة، ومع كرسيّ بلاستيكيّ فقط استخدمه كحقيبة مرة ومرة أخرى ككفنٍ وقبر وغيرها من الأشياء الأخرى، لكنه لم يضف أي مؤثرات تقنية أو موسيقية أو حتى منصة للمسرح، كأنه يقول ان الراوي ونص الذاكرة هو ما يجب ان يكون لا ديكورات الحياة العادية وادوارها وتجلياتها المكررة. 

وقال المخرج الفلسطيني غنام لـ "الحال" إن اسم المسرحية جاء من المضمون الذي تناولته: "اخترت سبباً لأتحدث عن الحياة، والموت الحقيقة الوحيدة الثابتة بعد ميلادنا، ففي كل مرة أقوم بعرض مسرحية "سأموت في المنفى" تؤكد لي بعد كل عرضٍ أن علينا جميعاً كفلسطينيين أن نروي روايتنا وأن ننعش الذاكرة ونحيي الناس البسطاء الذين يعتبرون ضحايا غير مباشرين للاحتلال". 

وتابع غنام: "بدأت تمارين مسرحية "سأموت في المنفى" ولديَّ مخطط بوجود إضاءة ومؤثرات صوتية وموسيقية، ولكن مع بداية البروفات على المسرحية كنت أميل إلى التخفيف من كل تلك الأدوات، فأصبح العرض يتضمن بعدين الأول أنا والمشاهد والثاني الحكاية المتقاطعة مع العديد من حكايات الجمهور وذلك ضمن سعيي لكي أنجز عملاً لا يضع اشتراطات تقنية للمكان، ولا يقبل بالشروط التقنية للعرض وفي ذلك تفعيل لخيال المشاهد واحترام له". 

وقص الفنان غنام في المسرحية فصولا من آلام ومعاناة التهجير والنفي، عائدا بذاكرته لأيام نزوح عائلته وجيرانهم من بلدة كفر عانة شرقي يافا إلى مدينة أريحا ثم اللجوء بعد ذلك لخارج حدود فلسطين مستذكراً كافة المشاهد والصور اللئيمة والحزينة التي حدثت معهم، واستطاع أن يجسدها في عرضه المسرحي من خلال اللغة، وتقمص الأدوار حيث دمج بين اللغتين الفصحى والعامية بالإضافة لاستخدام بعض الأغاني الوطنية التي تعبر عن مدى ألمه لفراق الوطن ومدى اشتياقه للعودة إليه الأمر الذي جعل العرض أكثر جاذبيةً وبساطة. 

ومن خلال هذه المسرحية ذكر غنام غنام العديد من الحكايات الشخصية التي حدثت مع والده وإخوته من بداية تهجيرهم وصولاً إلى حياتهم في المنفى، فحكاية غنام ووالده ما هي إلا احدى الحكايات الفلسطينية التي عاشت منفيةً عن وطنها.

ووصف غنام من خلال مسرحية "سأموت في المنفى" الألم والحزن الشديدين والنيران التي ظلت في قلب والده صابر غنام عندما أجبره الاحتلال على مغادرة كفر عانة، فبقيت نيران الشوق للعودة إلى أرضه ونيران الرغبة ليدفن بترابها، إلا أنه توفي في المنفى في جرش حيث عاش. 

وفي المسرح وبصوت حزين يطلب الفنان غنام من والده أن يسامحه لأنه لم يستطع أن ينقل قبره إلى كفر عانة حيث تمنى أن يدفن، مبررا ذلك بانه ليس بأفضل حال من والده لأنه سيموت ويدفن أيضاً في المنفى وأنه سيحضر جنازته أصدقاؤه الذين عاشروه طيلة فترة إقامته خارج وطنه وسيتعذر على ابنتيه المقيمتين في فلسطين أن تحضرا جنازته. 

وفي المسرحية يتحدث غنام عن بعض المفكرين والأدباء الفلسطينيين أمثال ادوارد سعيد، وناجي العلي، واخرين من الذين لم يتمكنوا من العيش في فلسطين ولم يتمكنوا حتى من العودة لها فماتوا ودفنوا في المنفى وقد كُتبت على شواهد قبورهم اسماء المنافي مثل "لندن، كندا، فنزويلا، اندونيسيا". ولكنه يحسد الأديب والصحافي الفلسطيني اميل حبيبي الذي أصرّ على البقاء في وطنه وأصر على أين يموت ويدفن بتراب يافا.

وفي وصف ذلك المشهد يرتفع صوت غنام في مسرحه قائلا: "نيالك يا اميل حبيبي فقد وُلدتَ في حيفا، كَبُرتَ في حيفا، وعشقتَ في حيفا، ومتَّ في حيفا، وطلبتَ منهم أن يكتبوا على شاهدة قبرك باقٍ في حيفا لا لتثبت أنك من حيفا بل لتثبت بأنك كنت شوكةً في عين الاحتلال حياً وكنت شوكة في عين الاحتلال ميتاً". 

ويصف غنام حاله حيث يقيم في جرش بأن حياته كانت بدل فاقد وأن عشقه لإحداهن وفرحته بنجاحه في الثانوية العامة وغيرها من النجاحات، كلها كانت بدل فاقد، فهو بدل فاقد للإنسان الذي من المفترض أن يعيش حياةً عادية على أرضه وفي وطنه كغيره من الناس في شتى أرجاء العالم.  

  • طالبة في دائرة الاعلام بجامعة بيرزيت.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018