ثلاثة أولاد لم يعودوا إلى البيت

"لم يكن لأولادي رغبة بالعيش في الأردن، دائما كانوا يريدون العودة الى فلسطين، حاولت مرارا وتكرارا إقناعهم بالبقاء هناك لكن دون جدوى، وفعلا عادوا وعاشوا هنا لكن ثلاثة منهم كان نصيبهم الاستشهاد".

هكذا بدأت أم ثائر الخنساء (فاطمة الكسبة) كما يطلق عليها أهل مخيم قلنديا، الحديث عن ثلاثة من ابنائها استشهدوا، وتبكي لأي شخص وهي تردد تلك الكلمات، وتكرر انها ألحت كثيرا على أولادها ثائر وتامر وياسر وسامر ومحمد للبقاء في الأردن، لكن القدر كان اقوى.

في الثاني والعشرين من شهر رمضان للعام 2001 كانت أم ثائر تجهز طعام الإفطار بهدوء، وأثناء ذلك خرقت أصوات الرصاص الهدوء في المخيم حيث اقتحمته قوات الاحتلال لتندلع مواجهات بين شبان المخيم والقوة المقتحمة، فاندلعت نار الخوف في صدرها على أولادها الذين كانوا خارج البيت، فما لبثت أن رفعت سماعة الهاتف للاتصال بهم حتى تطفئ نيران قلبها لكن اجابة الهاتف كانت على غير المتوقع: "لا يمكن الوصول".

خرجت أم ثائر تجوب أزقة المخيم، أمضت ساعة كاملة تدور حول نفسها بحثا عن خبر يطمئنها على أبنائها، وجاء بعض الأقارب اليها وعيونهم ممتلئة بالدموع، وبوجوه عابسة وشفاه تتأرجح في النطق قالوا لها "ياسر اتصاوب رصاصة في رأسه".

وما هي الا ايام حتى اعلن عن استشهاده متأثرا بجروحه، لتعيش الام حسرته وتبدأ بتجرع كأس الصبر على رحيل الابن، الذي كانت احلامه وافكاره تملأ الدنيا.

 

ثأر ياسر 

وفي فاجعة كبيرة وفي وقت لم يكن قد مضى سوى أربعين يوما على استشهاد ياسر حتى تلقت العائلة نبأ استشهاد ابن العائلة الثاني سامر، ففي يوم 25 من كانون الثاني من العام 2002 لم يكن قد مضى على بدئ الانتفاضه الثانية ما يقارب العام وكانت قد اشتدت أحداثها لتفرض اسرائيل الحصار على كل مدن الضفة وتهدم كل مقرات السلطة الفلسطينية وتحاصر الرئيس الشهيد ياسر عرفات في رام الله. 

وفي صباح ذاك اليوم الكانوني البارد، خرج سامر من المنزل ظهرا بحجة انه يذهب ليساعد صديقه الذي سوف ينتقل لمنزل جديد ولم يعد للمنزل وعند الساعة الرابعة جاء عمه للمنزل وسأل عن ياسر فأخبرته امه انه خرج مبكرا ليساعد صديقا؛ ولكنه قال ان وسائل الاعلام  تتناقل خبر إصابة سامر الكسبة برصاصة في الرأس خلال مواجهات اندلعت بالقرب من مقر المقاطعة في رام الله. 

وعن تلك اللحظة تقول أم ثائر إنها رفضت تصديق الخبر في البداية ولكنها قالت بصوت حزين "حرموني من ولادي وانا ما شبعت منهم، والله لو انني جبل لتهدم". 

وبعد مرور ثلاثة عشر عاما على فراق ابنيها الشهيدين ياسر وسامر، واصلت تربية أبنائها الثلاثة المتبقين وهم ثائر وتامر ومحمد "آخر العنقود"، الذي ولد بتاريخ 7-6-1998 ويبلغ من العمر سبعة عشر عاما، "كثير كلام كان محمد، بس عزيز على قلبي أكثر" هكذا تقول الخنساء عن آخر العنقود.     

ادركت الوالدة محبة ابنها الصغير لمواجهة المحتلين، وفكرت أن تبعده عن طريق المواجهات "اللي فينا بكفينا" كما تقول، وقررت السفر مع محمد إلى السعودية لقضاء العمرة معا،  وكان ذلك في 5 أيار من العام 2015، محمد أعجب بهذه الرحلة وقال لأمه "ليت المسؤول عنا يغفل عني ويتركني هنا".

 

السحور الأخير 

بعدها بشهر كان رمضان يزور المخيم، ومحمد يقضي أيامه بالصلاة والصوم والذهاب إلى المسجد، حتى حان وقت السحور في الأسبوع الثالث من شهر رمضان فقام محمد وجلس مع عائلته على طاولة السحور قبل أن يذهب الى صلاة الفجر مع والده في المسجد، وعاد ابو ثائر دون عودة محمد.

كانت أم ثائر قد سمعت أصوات صليات نارية وقامت تتفقد محيط البيت من النوافذ فلم تر شيئا غير الظلام، إلا انه في الساعة السادسة حملت لها بضع نسوة زرنها يتوشح اليأس والحزن وجوههن، تفاعلت أم ثائر مع الحدث وصرخت دون إدراك "وين حمودة وين حمودة؟" لتدوي صرختها في أزقة المخيم.

على الفور اقترب تامر من أمه وعينه تحفر في الأرض قال: "يما حمودة تصاوب برجلة وإصابته خفيفة"، لم تمض دقائق حتى جاءت أختها وأبلغتها الخبر: "حمودة استشهد". فقدت أم ثائر بهذا الخبر وعيها لتسبح في حياة موجعة لا تتوقف عن الألم.

اختلفت مواقيت استشهاد الإخوة الثلاثة، إلا أن القبر جمعهم برتبة الشهادة التي دفعوا دماءهم لها ولاحتضان ثرى الوطن الدافئ.

 

  • طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018