بيت أحمد في القطار

 

في عيد ميلاده الثاني، كان على موعد النكبة. وفي مخيم اللاجئين بحمص، الذي كان ذات يوم ثكنة عسكرية للمحتل الفرنسي، ظل والده يحكي له عن الحج أبو محمد، ولم يكن هذا الحج ابو محمد سوى الشيخ عز الدين القسام، الذي عاش في كنفه بحيفا.

وظلت والدته تروي له نقلاً عن أمها أجمل الحكايا عن حيفا، وعن البنت التي ضلت الطريق في المدينة واراد أهلها قتلها، وكان اذا اشتكى من البرد، تقول له حيفا دافئة، واذا اشتكى من دلف الأمطار عبر سقف بيت المخيم، تقول له سماء حيفا لا تمطر على البشر، تمطر فقط على الزرع.

اربعة امتار باربعة بامتار هي مساحة المنزل المؤلف من غرفة واحدة تضم الاجيال الثلاثة، من كلا الجنسين، وسيكون على الام طرد الجميع الى الحارة ليتمكن احدهم من الاستحمام.

وفي حوش المنزل المزدان بصفائح من تنك غُرست فيها شتلات ريحان ونعنع وياسمين شامي، وامام (لجن) الغسيل كانت الام تغني: والله لازرعك بالدار يا عود اللوز الاخضر، وهي اللازمة التي سيحيلها الولد الفلسطيني احمد خضر دحبور الى باكورة اعمال فرقة اغاني العاشقين.

على عتبة الغرفة اثر دارس لجرن حجري قالت الجدة انه كان مذودا يوضع فيه العلف لخيل جنود الاحتلال الفرنسي، واستقر في ذهن الفتى ان الاحتلال يزول.

درس في المدارس المسيحية بحمص ونشر اول قصيدة له "همسات" وهو بسن الخامسة عشرة على صفحات جريدة حمص للروم الارثوذكس، وسيكبر ليكون وطنيا جامعا، خاليا من اي تعصب ديني او طائفي أو مذهبي، وستؤثر هذه المدرسة في لغته ومفرداته لتضيف لروحه الوطنية الجامحة، سماحة وطيبة.

كبر وصار شاعرا وفدائيا ومراسلا ميدانيا إعلاميا لحركة فتح في الأردن بعد حزيران 1967 فحمل اسما حركيا هو يسار الشعبي، وهو الاسم الذي أطلقه على ابنه، وكانما يريد القول اننا "ما زلنا مستمرين".

كبر الولد الفلسطيني الذي اطل على سهول القش وبيوت الطين، وشهد بكافة اصابعة انه لن يصفح، مهما هددت الضواري عيون الاطفال، ومهما اختلط الليل بالنهار، فهو لغير هذا قد جاء.

كبر وحول حلمه المشتهى بالعودة الى حيفا الى اناشيد وأشعار لا تنسى، فصار سيدا للعاشقين وجمل محامل لا تنتهي رحلته الا في حيفا، عاد ولكن الى ما هو متاح لنا من الوطن، وظل يقول: وصلت الى حيفا، ولم أعد إليها .

عندما قارن بين حيفاه الموازية المرتسمة في ذهنه بريشة جدته وامه، وبين حيفا التي يصلها ولا يعود اليها، شعر بان هناك علاقة بين حجارة المدينة وعظامه.

أحب حمص دون ان ينسى حيفا، وقاسم اهلها كل ما يقال عنهم من طرائف وخاصة احتفالهم بعيد الاربعاء، كما احب حديث الاربعاء لطه حسين، ونقل كل هذا الحب الى صفحته على جريدة الحياة الجديدة، فجاء عيد الاربعاء حافلا بنقد ادبي وجيه، مضافة اليه دمعة أربعاء على ابداع الراحلين.

في مكتبه بغزة عانق ذات يوم شابا اسمه احمد، وكان احمد هذا هو حفيد القسام، وقد جاء اليه ليشكره على ابداعه في كتابة المسلسل التلفزيوني عن جده .

غادر غزة متحسرا ذات انقسام اسود، فزار وطنه الثاني حمص، وهناك اقعده شديد المرض ثلاث سنوات، ويوم عاد فتح المذياع ليسمع مصادفة خبر اختيار اسمه للتكريم من الرئيس، فاستذكر كل اصحاب الفضل عليه من استاذه موريس قبق، الى شريكه في الشعر صلاح الدين الحسيني "ابو الصادق" الى المثقف الكبير صاحب المبادرات عبد الله حوراني، الى ملحنه الاثير وصاحب اسم فرقة اغاني العاشقين حسين نازك.

على بعد ايام من عيد ميلاده الواحد والسبعين ترجل كجمل محامل طاف واحدا وعشرين بحرا، مكملا مسيرة التماهي مع قضية واحلام شعبه، وهو التماهي الذي بدأ بـ "الضواري وعيون الاطفال" حين وعى آثار النكبة، "الولد الفلسطيني" حينما شهد انطلاقة الثورة، "طائر الوحدات" عندما عاش صدام الانظمة العربية مع الثورة، "بغير هذا جئت" عندما لمس الانحرافات الثورية، "اختلاط الليل بالنهار" و"واحد وعشرون بحرا" مع انطلاق مشاريع الحل السياسي، و"شهادة بالاصابع الخمس" للبطولة في بيروت.

واذا كانت عناوين دواوينه قبل العودة الى "ما هو متاح من الوطن" ذات ايحاءات تؤرخ للمسيرة الطويلة، فإن العناوين التالية لهذه "العودة التجربة" ستحمل ايحاءات مستقبلية لا تخلو من اقوال الفلسطيني الاول المسيح المصلوب ظلما، فمن ديوانه "جيل الذبيحة" الى ديوان "اي بيت تبنون لي؟" أمعلق على الريح ام على الارض؟ يسأل الشاعر ويبدي خوفه من ان يصبح الانسان هامشيا، ولعل في ديوانه الاخير بعض امل وبعض جواب ولكن مغلف بسؤال: "بيت في قطار"، اذن فالبيت ليس معلقا في الريح، ولكنه ليس على الارض ايضا، انه في قطار، وصحيح انه مرتحل ولكنه سيصل يوما لمبتغاه، طالما انه على السكة الصحيحة.

وداعا للشاعر الثائر المتواضع الانسان، وشكرا على الذاكرة التي صنعتها لنا وشكرا لانك قبلتنا في جوقة فرقة أغاني العاشقين. ولنا الله من بعدك. فكلما رحل شاعر من هذا الرعيل، تنزف فلسطين وتتوجع من قلبها لا من اطرافها .

 

* تمت الاستفادة من مقابلات أجراها مع الشاعر الراحل كل من د. عادل الاسطة، زياد خداش، ناديا كنعان، رند خضير. فلهم الشكر الجزيل جميعاً. والشكر أيضاً للصديق صالح مشارقة على اختيار العنوان. 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018