الرعاية النهارية.. بريق أمل للمرضى النفسيين في غزة يخفت في ظل تقلص الخدمات

 

"هذا أسعد يوم في حياتي"، كانت هذه ردة فعل المريضة فاطمة (38 عاما) وقد انهمرت دموعها بعد أن استطاعت خلال نشاط التدبير المنزلي في قسم الرعاية النهارية التابع لوحدة الصحة النفسية والتأهيل المجتمعي أن تقشر حبات البطاطا وتقطعها وتقليها بنفسها. كانت فاطمة طالبة جامعية متفوقة في كلية الطب، لكنها أصيبت بمرض الهوس الذي جعلها غير قادرة على ممارسة حياتها بشكل طبيعي، وقد زاد خوف عائلتها عليها الأمر سوءا، فكانت تمنع من دخول المطبخ أو استخدام الغاز خوفا من أي تصرف قد يلحق بها الضرر.

والهوس مرض نفسي يعاني فيه المريض انعدام الاتزان المزاجي، وقد يكون هذا الهوس موسميا أو هوسا اكتئابيا أو دوريا، وقد يكون هوسا ثنائي القطبية تتأرجح فيه الحالة بين الفرح المفرط والاكتئاب المفرط.

أما المريضة هدى (28 عاما)، فقد انغمست في رسم لوحة ممتلئة بالألوان: سرب حمام في سماء صافية وطبيعة خضراء خلابة. هنا وجدت نفسها تحديدا، وأبدت المريضة مؤخرا مهارة عالية في الرسم ومزج الألوان بعكس لوحاتها الأولى التي تعلقت على الحائط بداية التحاقها بالمركز، فحالتها النفسية كانت تنعكس على لوحاتها السابقة، فهنا لوحة لأم تحتضن ابنتها وتبكي، وأخرى لفتاة تدير بظهرها وتنكمش في زاوية الغرفة باللون الأبيض والأسود. وحسب المشرفين عليها، فإن استخدامها للألوان في رسم اللوحات المفرحة دليل على تحسنها. وهدى مصابة بمرض الصرع الذي كانت يرافقه أعراض منها التشنجات والانطواء والاكتئاب وذلك بعد فقدان والدتها ومرورها ببعض الظروف العائلية الصعبة.

ابتدأ العمل في قسم الرعاية النهارية نهاية عام 2014 بدعم من منظمة الصحة العالمية التي تكفلت بكامل تكاليف المشروع، ابتداء من تجهيز المكان وليس انتهاء بالمواد اللازمة لتشغيله من مواد خام فنية وتموينية وأجهزة رياضية لبعض الأنشطة.

فاطمة وهدى، وهما اسمان مستعاران، حالتان من عشرات الحالات التي قابلتها مراسلة "الحال" في قسم الرعاية النهارية والملتزمات بالحضور الدائم لجميع الأنشطة. ووفقا لرئيس وحدة الصحة النفسية جمال شبير، فإن بداية العمل داخل المركز كانت مع 60 حالة مختلفة، مناصفة بين النساء والرجال، علما أن هذه الحالات تم استقطابها من العيادات النفسية الموزعة حول القطاع، حيث يشترط بالحالات أن تكون بين الخفيفة والمتوسطة، إذ يصعب التعامل مع الحالات المستعصية، وأن تكون مسجلة كحالة نفسية وتستفيد من العلاج من العيادات النفسية.

وتنقسم الأمراض التي يعاني منها الملتحقون بالمركز إلى أمراض نفسية، مثل القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، والهلع والضغط النفسي، وأمراض عقلية مثل الانفصام العقلي والهوس.

وتحدث شبير عن أنشطة المركز المقدمة للملتحقين ومنها نشاط تعليم مهارات الحياة اليومية مثل ارتداء الملابس بشكل صحيح، وإعداد الشاي والمحافظة على النظافة الشخصية واستخدام الأجهزة الكهربائية وغاز الطهي، وغيرها من الأنشطة المهمة التي لا يستطيع المريض ممارستها أو يمنعه الأهل عنها بدافع الخوف، إضافة لجلسات حرة أسبوعية للمرضى للحديث عن أنفسهم وكل ما يدور في أذهانهم، فضلاً عن إعطاء الفرصة للمرضى بإلقاء المحاضرات لبعضهم حول مواضيع يختارونها بأنفسهم، إذ يتمتع عدد كبير منهم بثقافة عالية وحب الاطلاع.

وعن النشاطات المخصصة للرجال، فقد شملت الألعاب الرياضية والنشاطات الزراعية كتعلم الزراعة والعناية بالشتلات من خلال المهندس الزراعي المرافق لهم.

وقالت الأخصائية الاجتماعية والمشرفة على نشاط التدبير المنزلي أمل أبو حسين إن هذا القسم أكثر الأقسام إسعادا للمريضات، إذ يجدن أنفسهن عند إنجاز كل طبخة أو أي نوع من الحلويات. وأشارت إلى مهارة العديد منهن وقالت: "يعزز هذا النشاط من ثقة المريضات بأنفسهن وشعورهن بالإنجاز، فنحن كأخصائيات نتعلم منهن أيضا ونسجل منهن بعض الوصفات الصعبة، وهذا أيضاً يزيدهن سعادة". وأضافت أن معظم الحالات التي انضمت لوحدة الرعاية النهارية تحسنت بنسبة تصل إلى 90%، وأن شعور المريضات بهذا التحسن يدفعهن للحضور للمركز مهما كانت ظروفهن العائلية أو حتى ظروف الطقس.

وفي السياق ذاته، أشارت أبو حسين إلى أن حوالي 30% من الحالات التي انضمت إليهم من المطلقات وحوالي 90% منهم يعانون من الفقر الشديد وسوء الأوضاع الأسرية.

أما الأخصائية الاجتماعية سمية صباح، فتحدثت عن بناء العلاقات المهنية القائمة على الثقة مع المرضى منذ انضمامهم للمركز، ومن ثم دراسة الحالة من خلال المراقبة المستمرة لتصرفاتها وحركاتها المتكررة ومعرفة أهم مواهبها وميولها لبدء العمل معها، مؤكدة أن التأهيل النفسي يسرع من العلاج ويخفف من حدة المرض.

وأوضحت أن بعض الحالات الاستثنائية المستعصية التي كانت تضطر للمبيت في أحد أقسام الصحة النفسية انضمت لوحدة الرعاية النهارية، وقد لوحظ تحسن في حالتها، وخرجت على إثرها من قسم المبيت لمدة طويلة. وإحدى الحالات التي ذكرتها صباح لإحدى المريضات التي لم يكن لديها القدرة الكاملة على الحديث، وتكتفي طوال اليوم ببعض كلمات فقط وقد تحسنت الآن فتقول ضاحكة "الآن تتحدث طوال اليوم بلا توقف وبكل ثقة في شتى المواضيع".

وفي القسم المخصص للمشغولات اليدوية، أبدعت المريضات الملتحقات وأنتجن قطعاً صوفية وأخرى مطرزة بالتطريز الفلاحي الفلسطيني وشاركن فيها بأربعة معارض على مستوى القطاع عاد ريعها للمركز وتقاضت منها المريضات مكافآت مالية زادت من سعادتهن وثقتهن بقدراتهن ودفعهن للمزيد من الإبداع للتفريغ من الشحنات النفسية السلبية لديهن.

وبعد نجاح المرحلة الأولى من المشروع، تم توسيعه ليشمل حوالي 200 مريض ومريضة، لكن بعد عامين من الإنجاز والنجاحات المتكررة التي حققها المركز توقف دعم منظمة الصحة العالمية له، ما أدى إلى إغلاق المركز بشكل كامل لمدة ثلاثة شهور، ومع محاولات الضغط عاد مطلع هذا العام للعمل بشكل جزئي لعجز وزارة الصحة عن تشغيله بشكل كامل دون دعم من منظمة الصحة العالمية.

الإغلاق المتكرر للمشروع وتقليص خدماته أثر على عمله من جميع النواحي سواء الدعم الفني أو الدعم المادي وتوفير المكان المناسب، حيث نقل المركز لمكان أصغر من مكانه الأول. وحسب العاملين فيه، فهو غير مهيأ للعمل مع المرضى، وهذا بدوره أدى إلى إغلاق قسم الرجال وتقليص عدد النساء الملتحقات.

وأكد شبير على أهمية عودة هذا القسم للعمل بشكل كامل لكونه المركز الوحيد التابع للحكومة الذي يعنى بالرعاية للمرضى النفسيين، متمنيا أن يتسع لعدد أكبر من المرضى ويخدم فئات متعددة من أصحاب الأمراض النفسية.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018