"أغمض عينيّ كوالدي الكفيف فيصير المسرح".. نضال الخطيب

تأسس "مسرح الطنطورة الشعبي الفلسطيني للدمى" عام 1995 على يد الفنان نضال موسى الخطيب، لينتج مسرحاً فلسطينياً خاصاً بهويته وتفاصيله، ويعكس الواقع المهمش والمشتت بخيالات طفولية تحاكي الكبار والصغار. فالدمى ليست مجرد اشكال صماء في مسرح الطنطورة، بل أصبحت عنوانا بشخصيتها وروحها تخترق مخيلة كل مشاهد ومشاهدة بقصص بسيطة تلامس الواقع الفلسطيني. 
وارتبطت تسمية المسرح بقرية الطنطورة المهجرة جنوب حيفا، التي عاثت العصابات الاسرائيلية فيها خرابا عام 1948 وارتكبت فيها مجزرة تواصل الابحاث كتابة شهادات من عاصروها.
والفنان نضال الخطيب فنان أبى أن يكون عاديا، فطور ذاته في مجال الفن والحكايات حتى أصبح متخصصا في تقديم عروض للدمى والعرائس، للأطفال والكبار، محليا وعالميا، بمساعدة شريكته وطفلهما، إضافة إلى مشاركته في العديد من الأفلام، مثل (فلسطين فلسطين)، والوثائقية والمحلية والعالمية ومشاركته في المسرحيات المحلية، حيث قدم المسرح منذ تأسيسه 9000 عرض، شاهدها أكثر من مليون شخص، على حد قول الخطيب. 
وكان لـ"الحال" مع مؤسس مسرح الطنطورة وفنانها نضال الخطيب المقابلة التالية: 


    •     هل كان في فلسطين مسرح دمى قبل النكبة، ومن سبقك في هذا العمل؟

لعب الفن قبل النكبة دورا أساسيا في إلهام الكثير من الفنانين الفلسطينيين، لتثبيت جذور الثقافة لدى الأجيال، وكانت فلسطين وشعبها  وفنانها تنجز في الثقافة والفنون، امتدادا لحضارة عظيمة خلقها الكنعانيون وامتدت لتصير انتاجا ثقافيا يوميا في ثقافة الفلاحين البسطاء، وتطورت الى الفنون الشعبية كالرسم والتمثيل والرقص، ثم حضرت الدمية لتتحدث عن نفسها وكأنها جزء من فلسطين، فكانت المقاهي بالقدس ونابلس والخليل ويافا وعكا المكان الأول لعمل المسرح وخيال الظل والدمية اخيرا. وجوهر أدوار مسرح الطنطورة تشكل بشخصيتين كوميديتين مهمتين "كركوز وعواظ"، وقد كانتا تعبيرا عن السخرية من الطبقات الإقطاعية، والبرجوازية، لترسل الرسالة المبطنة، بان السادة الفقراء والبسطاء هم أصحاب الأرض والقضية، واصحاب البصمة والانجاز والانتاج الثقافي والانساني. 


    •     بمن تأثرت في بداية عملك؟ 

ربما لأول مرة يطرح علي سؤال من هذه النوع، اتذكر كلمات قالها لي عمي الشاعر يوسف الخطيب، إذ إن جدته مريم كان يرتمي في حضنها أطفال عائلتنا، وكانت تعشق رواية القصص والأشعار، كونها متأثرة بأخيها الشاعر الشعبي. تراث وتأثير الجدة مريم انتج عائلة مثقفة فنيا وامتد تأثير هذه الجينات الوراثية الإبداعية في عروقنا من بعد لدى جميع الاحفاد، والدي موهوب في الأدب ويحفظ الشعر رغم انه كان كفيفا، إلا انه علمني كيف أرى ببصيرتي أعمق مما يراه المبصرون، ومن ثم تأثرت بعمالقة الفن والتمثيل وأهمهم كان عبد الله غيث وانطوني كوين، ومن فلسطين تأثرت بالشاعر والأديب حسين البرغوثي. كوني تلميذا في مدرسة البسطاء من شعبي. ومن هنا جاءت شخصيتي وشخصية أعمالي الفنية.

 

    •     ما هو العمل الأكثر شغفاً لك، وكيف تستذكره؟ 

عمل "ناطور الطنطورة"، وتتحدث هذه الحكاية عن البطل الشعبي الذي يحمل صفات البساطة والحكمة، والأهم انه مجنون في حب فلسطين، كونها تجسده وتشبه روحه، فحقيقة ناطور الطنطورة تتسلسل بالحديث عن المجزرة التي وقعت في قرية الطنطورة جنوبي حيفا، هذه الشخصية تأخذك إلى موج من البحر الهائج من الأحزان إلى الأفراح، وإلى الأمل بالنجاة والعودة، إضافة إلى شخصيات أخرى عديدة، وأهمها باسل، تيمناً بباسل الأعرج المثقف المشتبك، وهو مدرسة لكل المبدعين والثائرين.

 

    •     ما هو أكثر عمل درامي عربي وعالمي جذبك؟ 

كل مسرحية شاهدتها كان هدفها واضحاً وجميعها قدمت لي درسا دسما في الإبداع، ويجب على الفنان أن يشاهد أكبر قدر من الأعمال ليتعلم ويطور نفسه، لكن مسرحية" يويا" التي سيطرت على حيز كبير في ذاكرتي حتى هذه اللحظة، فهي تعبر عن ذاتها بالفكاهة وتسلط الضوء على مواضيع شيقة كالعنف والطمع والظلم في الواقع.

 

    •    من أين تأتي افكار عروضك ومن أي الايحاءات تشتق شخصياتك، كيف تكتب مشهد عملك المسرحي؟ 

غالبًا ما تأتي أفكاري من خيال خصب تعلمته من والدي الكفيف، حينما أغمض عيني، أرى ما لا يراه الكثيرون، وأركز على الأشياء وأتعلم منها، شاهدت الكثير من الأعمال التي قدمتها في عالم الأحلام، ونصوصا، وتكنيكات، غالبا ما كنت أشاهد نهاية أعمال المسرحية ابكي وافرح معها لأنها تنتصر بالنهاية، وأقدم وعدا للشخصيات المظلومة في المسرحية بان العدل سيكون بالنهاية، لست واعظا، وإنما ادفع الشخصيات بالنهاية للفرح الغامر، وللأمل المشتعل.

 

    •    كيف تستطيع أن تتأقلم في فكرة عمل شريكتك معك في المسرح لتعودا الى المنزل ابا واما واسرة لها ايامها العادية؟ 

فكرة عمل زوجتي ميسون أبو عين داخل المنزل ومعي في العروض اليومية على أرض المسرح فكره متعبة، لكن زوجتي سيدة رائعة كونها تستطيع أن تدير نفسها بطريقة سلسة وفعالة، فلا مجال لأقدم مدحًا لها، لأني أعبر عنها كما أراها في عيني وفي نظر البعض، وأيضا تمتلك الإيمان العميق بأهمية الرسالة التي نقدمها وهو ما يدفعها للتحمل، لو لم تكن شريكة حياة، لكان الأمر صعبا للغاية، ولكن الصعوبة تكمن في صعوبة التعامل مع الآخرين والانجراف وراء امزجة قد تأخذك إلى دمار وحطام أكيد.

 

    •    طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018