"عرباي عرباي"..

 

يعملون طوال اليوم، في البرد القارس أحياناً، وتحت أشعة الشمس أحيانا أخرى، تركض أجسامهم الصغيرة بين زحمة السيارات، يوقعون القلب خوفا عليهم من حمل بضائع يفوق وزنها اوزانهم الصغيرة، فيما تمتد اياديهم الصغيرة لتتقاضى اموالاً قليلة عن توصيلات او مقابل ملصقات دينية او علكة او ورود يجبرون زبائنهم عليها.

انهم "أولاد الشارع" الصغار الذين كبروا فجأة ليتركوا مقعد المدرسة ويلوذوا بالشارع ليعيلوا اسرهم.

احلامهم البسيطة تعتبر حقوقا في كافة دول العالم، لكنهم هنا يضطرون للعمل من اجل مصاريف البيت.

"الحال" التقت هؤلاء، عاشت صدماتهم وتنقل لقرائها احلامهم، فقط احلامهم التي هي في الاصل حقوق لهم.

 

حلم "السكوتر"

فارس، لم يتجاوز الاثنى عشر عاما يبيع العلكة في شوارع مدينة رام الله، وجدناه يقف عند احد المحال في شارع ركب تحديدا، يعرض العلكة على المارة في الطريق.

وعند سؤاله لماذا هو هنا في الشارع في هذا العمل؟

يقول: اعمل من اجل مساعدة ابي في مصاريف المنزل، وليستكمل إخوتي تعليمهم، اعمل من الساعة السابعة صباحا ً حتى الثامنة ليلا، وفي أيام اخرى حتى انهي ما بحوزتي من علكة، اجني يوميا من 30- 50 شيقلا.

وردا على سؤال عن حلمه عندما يكبر او أي حلم يفكر فيه، اضاف: "أتمنى ان اذهب الى المدرسة مثل اصدقائي لكن هذا اصبح بعيداً عني لأني الآن مجبر على مساعدة ابي في اعالة اخوتي وامي.. واكثر شيء أحب ان احصل عليه الان هو "سكوتر".

هذا هو حلم فارس، "سكوتر" بعجلات يلعب فيها، وتريحه من المشي وتجعله يقفز ويطير ويسرع. 

 

"بدي أصير شرطي"

علي، ابن العشر سنوات، يعرض عليك آية الكرسي، يقضى يومه متنقلا بين الشوارع الى المقاهي الى المتاجر ليعرض على الناس اوراقه وملصقاته، وعن عمله يقول: اذهب لأصحاب السيارات وادخل المطاعم والمقاهي، أتمشى في كافة شوارع رام الله من أول شارع الارسال حتى آخر شوارع رام الله، لكن الكثير من الناس يرفضون الشراء ظناً منهم اني أعمل لجماعة معينة، ولكن انا اعمل من اجل مساعدة العائلة، لان عمل والدي لا يغطي متطلبات الحياة البسيطة لنا، فهو يعمل في بيع المناديل الورقية لاصحاب السيارات على إشارات المرور.

وعن احلامه اضاف: "لا أحلم بامتلاك سيارة او هاتف او اي شيء آخر، لكن كل أمنياتي ان اكمل تعليمي في المدرسة وان استطيع ان ادرس في الجامعة، اريد ان اكون ضابطاً في جهاز الشرطة".

 

"تركيب أطراف لأبي"

مالك، في الصف التاسع، التقيناه في حسبة رام الله يجر عربته وبأعلى صوته ينده "عرباي عرباي" يريد ان يلفت انتباه الناس له، ويعمل على نقل ما يشتريه الناس من الحسبة الى موقف سياراتهم.

يقول: أبدأ بالعمل بعد عودتي من المدرسة، وفي ايام العطل المدرسية ابدأ العمل من الصباح الباكر، العمل مرهق وبالذات بعد يوم كامل من الدراسة، انا مجبر على مساعدة ابي الذي يعمل في بيع النعنع والميرمية على إحدى البسطات في السوق، أرفض ان أمد يدي واطلب صدقة من احد، وانا سعيد بعملي لان ابي وامي يعتبرونني سندا لهم، لا أتمنى سوى ان يحصل ابي على محل لبيع الخضار ليتحسن وضعنا المعيشي، "والحمد لله عايشين بدون ما نمد إيدنا لحدا".

ونظر محمد للسماء وقال: "ان شاء الله".

وعند سؤاله لماذا تعمل وما هو الحلم الذي تريد تحقيقه؟

قال: أبي مبتور اليدين وعاطل عن العمل، أمي تعاني من مرض الضغط والسكري وتعمل في تنظيف البيوت، أخي الكبير يعمل معي في تنظيف زجاج السيارات، وكثير من الناس عند مجيئنا لهم يغلقون شبابيك السيارة بإشارة منهم ربما نراها تحقيرا ً لنا، ولكن ما يجعلنا نكمل في هذا العمل هو واجبنا تجاه والدينا واخوتنا لكي نستطيع توفير ادنى متطلبات الحياة لهم، اتمنى ان تشفى امي وان تكف عن العمل بسبب وضعها الصحي وان يتم تركيب اطراف لابي، لكن الامر مكلف جداً ولا نستطيع توفير ذلك بس "ان شاء الله" بنقدر.

 

"حلمي الوحيد أن ألعب في منتخب فلسطين"

موسى، طفل آخر وليس الاخير، يعمل في احدى مغاسل رام الله للسيارات، يبدأ عمله بعد عودته من المدرسة، ويقول: اعمل لكي استطيع توفير مصاريف المدرسة لان ابي ليست لديه المقدرة على توفير كافة مصاريف المنزل والمدرسة لي ولإخوتي، لدي اشقاء خرجوا من المدرسة ولم يكملوا تعليمهم بسبب العمل، لكن لدي قناعة ان الشهادة المدرسية مهمة جداً في حياة الناس، ومن الممكن ان توفر فرص عمل أفضل في المستقبل، أحب الرياضة، خاصة كرة القدم بشكل كبير، وأشجع فريق ريال مدريد واتمنى ان ألعب في منتخب فلسطين.

نعرف ان كلامهم قد يحزن كثيرين، لكن هذا هو واقعهم، ويجب ان نوصل اصواتهم لعل جهة ما تفكر بوضع الحلول لكل طفل يضطر للتسرب من المدرسة او العمل الشاق من اجل العائلة. 

اما عن احلامهم، فلها الله والزمن القادم والايام.

 

  • طالب في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018