تطبيق صراحة.. سبّب هوساً للملايين في الفيسبوك وانتهى إلى الركود

 

هل أنت مستعد لمواجهة الصراحة؟ احصل على نقد بنّاء بسرية تامة من زملائك في العمل وأصدقائك.

هذه العبارات تذكرني بنص من كتاب الغربال لميخائيل نعيمة: "إن مهنة الناقد الغربلة. لكنها ليست غربلة الناس، بل ما يدونه قسم من الناس من أفكار وشعور وميول". 

وفي هذا الهدف سعى السعودي زين العابدين توفيق أن يفتح أفواه نفوس كثيرة كتمتها مخاوفها ومحاذيرها للوصول إلى حد التجريح والوقاحة أو تحمل العواقب إذا ما صرحت بكل ما يمور بداخلها، بفكرة تقوم على  فتح بوابة التواصل والنقد البناء بين المرؤوس والرئيس الذي يخاف أن يحمل وزر تصريحه ونقده له، أو أن ينقد الصديق صديقه دون أن يجرحه إذا ما واجهه وجهاً لوجه، دون معرفة هوية المرسل. 

زين العابدين نجح بفلسفة فكرته من خلال موقع صراحة الذي أطلقه في تشرين الثاني من عام (2016) الذي سبب الهوس لملايين العرب للدخول إليه ومعرفة كل ما يخبئه له الآخرون، ليحتل المركز الأول في عرش المواقع العربية في الآونة الأخيرة. إذ تعدى عدد مشتركيه ثلاثة ملايين، فيما أرسلت عبره أكثر من أربعة ملايين رسالة. 

 

"الصراحة لم تعد راحة"

عن هذا التطبيق، يقول مختص مواقع التواصل الاجتماعي في مركز تطوير الاعلام أكرم الجريري: "كل جديد إله رنة"، هذا ما كان عليه موقع صراحة، فهو تطبيق جديد وبسيط أقبل عليه الناس، وخالٍ من الإعلانات، وإجراءاته سهلة، عدا عن السرية التامة فيه، فالموقع لا يكشف للمستخدم وصاحب الحساب عن مرسل الرسالة التي صرح بها، وبإمكان أي مستخدم إرسال رسالة لأي حساب دون أن يمتلك حساباً على تطبيق "صراحة".

ويضيف الجريري: "هذا الأمر أتاح للكثير أن يصرحوا وبشكل مطلق عما يدور بداخلهم من انتقادات ضد الآخرين في الوقت الذي عجزوا فيه عن مواجهتهم وجهاً لوجه، مع ان فكرته ليست حديثة بالمطلق، فقد سبقه موقع (ask.fm) بتوفير الخدمة نفسها، إلا أنه تفوق عليه بالحجز لنفسه ما يزيد على (8) دقائق من وقت المستخدمين. 

وتابع المختص بشبكات التواصل في مركز تطوير الاعلام "أن عدم معرفة مصدر الرسالة الصريحة يخلق حالة من التوتر في علاقة الشخص مع الآخرين، ويزرع في نفسه الحساسية والوسوسة ليسيطر على ذهنه أسئلة يغلب عليها الشك: هل أنا بالفعل هكذا؟ يا ترى من الشخص الذي يحمل كل هذا الحقد؟ وذلك يرمي بالشخص في فوهة الاكتئاب أو الاحباط والخوف من الاستمرار في التواصل مع الآخرين، هذه الفوهة التي ستتكرس بشكل أكبر فيمن يفتقد ثقته بنفسه". 

 

تطبيق عربي بامتياز

من جانبه أكد الصحافي المختص بالإعلام المجتمعي محمود حريبات أن تطبيق صراحة مهم على الساحة العربية لأنه عربي بامتياز، وهذا الأمر يستدعي القول إن المبادرات العربية أو المؤتمرات الشبابية لاحتواء والاهتمام بمثل هذه المواقع قليلة جداً. وتبقى فكرته جيدة في دفع الناس لإبداء آرائهم بكل حرية، إلا أن الإشكالية الحقيقية ليست فيه إنما في الحقد والكره الإلكتروني المنتشر، ووصلت إلى حد الوقاحة مع هذا الموقع. 

ويوضح حريبات: "إذا أنت مش قد الصراحة، ما تلعبها"، وذلك يعني أن كل شخص يتخيل أن آراء الناس وانتقاداتهم من الممكن أن تجرحه أو أن تقسو عليه لتضعه في دائرة الشك، فيجب ألا يسجل في هذا الموقع، مبعداً نفسه عن كل ما يهز من ثقته بها". 

 

انتقادات محبطة وسوداوية

واعتبر الصحافي أمجد حسين أحد مستخدمي تطبيق صراحة أن التطبيق ساحة خصبة للحاقدين وللمرضى النفسيين، ليدفعوا بكل ما بداخلهم من سواد برسالة صريحة لشخص ما، وفي بيئتنا التي اعتادت على المجاملات، لا يمكن لموقع صراحة أن يحقق هدفه السليم، والقصد أنه اذا اردت مجاملة شخص على تطبيق صراحة، فما الفائدة، كون المتلقي لا يعرف المرسل، وذلك يخلق رد فعل عكسيا يجعل المرضى النفسيين يستغلون التطبيق لإشباع غرائزهم السوداوية".

ويقول حسين: "التطبيق جيد ولا مجال للندم في المشاركة فيه، فهو مسلٍّ إلى حد ما، ولا يشكل مضيعة للوقت، لمن اختار أن يكون بوابة يفتحها للخروج من خجله وإظهار طيبته للآخرين، إلا أنه مضيعة لمن  اتخذه سلاحاً لبث حقده النفسي والمجتمعي بين الناس". 

 

تطبيق إيجابي ولكن

من جهتها، بينت الصحافية الشابة فانتينا شولي إحدى مستخدمات التطبيق أنه يتيح فرصة للحديث بأمور لا يمكن مصارحة الآخرين بها على أرض الواقع، فهو وسيلة فعالة للحديث المستتر الايجابي بين الناس، إلا أنه في الوقت ذاته يستغل من البعض للحطّ من قيمة الشخص بشتمه واختراع أحاديث باطلة حول شخصيته.

وأوضحت أن الفضول في معرفة آراء الناس وانتقادتهم حولها دفعها للمشاركة في التطبيق، وعن تجربتها قالت: "كانت هذه الآراء والانتقادات كما رسمتها في مخيلتي، مع أنها لوثت بآراء قاسية وجارحة بحقي. هذا الأمر أثار الشكوك بداخلي وجعلني أتساءل كل من حولي: هل أنا هكذا؟ هل هذا الأمر موجود في؟ إلا أنني لم أحبذ مصارحة شخص من خلاله لأن مواجهته بشكل علني أفضل وأصدق لنقل المشاعر بيننا.

 

سر نجاح صراحة

وأكد الصحافي ومدرب الإعلام المجتمعي سائد كرزون أن انتشار موقع صراحة بهذه السرعة، تدل على عدة أمور أهمها، أن الناس يريدون شيئاً مختلفا بعيداً عن التصفح التقليدي لباقي المواقع الاجتماعية، وهذا الأمر طبيعي، إذ إن البشرية في طلباتها تبحث عن التطور السريع لإيجاد نوع من الفكاهة "النكشات" في أمور حياتها، ومنصات للتعبير عن آرائهم وحياتهم بكل حرية، لتخرج من العالم الافتراضي الذي خلقته "السوشال ميديا". 

وأشار الى أن انتشار الانتقادات الجارحة والشتائم هو أمر مرعب يدل على غياب تام لثقافة تقبل الآخرين واحترامهم، وغياب دور التعليم السليم لأن ما يحدث في حياتنا هو تحديث وليس حداثة، لأن التكنولوجيا بين أيدينا ونحن غير مؤسسين فكرياً على التغيير والنقد البناء السليم. 

ودعا كرزون إلى تقبل الانفتاح في الإعلام المجتمعي، الذي يحمل أدوات تفتح المجال للناس للتعبير عن آرائهم بكل حرية، لذلك يجب التوجه بشكل دائم إلى الاستخدام والاستثمار الإيجابي في بناء رؤية استراتيجية ومجتمع إيجابي يخلق أناسا ذوي توجهات إيجابية للحد من الحياة السلبية.

"الصراحة مهما قست بددت السحب"، إلا أن هذه السحب أمطرت تطبيق صراحة بتعليقات لامعة ولاذعة في آن، ليبقى التساؤل الأهم: هل سينجح بالاستمرار في تحقيق رسالته؟ أم أنه سيهوي ويختفي بين التطبيقات الاجتماعية الأخرى؟

 

  • طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018