باسل الأعرج.. كتب اسمه بالكلمة والرصاصة

 

لم يشف القلم وحده غليل الشهيد باسل الأعرج، كان عليه تقديم الكثير في ساحة المعركة كمقاتل فردي، فقناعته التي أعرب عنها تمثلت في أن القتال الفردي هو بديل عن غياب الانتفاضات الجماعية.

وكتب باسل ذات مقالة: "يستخدم النيص في تنقله ودخوله وخروجه عدة طرق محددة ومعينة، وتبدو كأنها مدروسة، ويملك نوعاً غريباً من البارانويا أو ما نسميه فلسطينياً الحسّ الأمني". كتب هذا في مقالة جمعت بين التنظير لجماليات الحياة بناء على نموذجين من عالم الحيوان، لكنه في الواقع كان يبحث في كل العوالم عما يفيد القتال والثورة، حتى لو أوصل ذلك إلى البحث في صفات حيوان النيص البري او حشرة البرغوث.

وباسل الاعرج، او المثقف المشتبك، وصف بالمنظِّر والعميق والمفكر، تجبرك روحه الثائرة والمناضلة، أن تعود للمقالات التي كتبها يوماً ما الشهيد الصيدلاني، تقرأها وتبحث في معادلاتها وتركيباتها، تحاول تفكيكها، لعلك تصل إلى العمق والمدلول الذي كان يبحث عنه.

هنا في هذا التقرير القصير على قامة الشهيد باسل، نجمع ذكرياته من يوميات أصدقاء له عايشوه في سني عمره.

 

العيسى: قرأ لماركس ولسيد قطب معاً

يقول الكاتب توفيق العيسى، وهو صديق باسل: علاقتي بباسل بدأت في العام 2011 في خيمة إنهاء الانقسام التي اعتصمنا فيها لمدة 35 يوماً. أثناء هذا الاعتصام تعرفت على باسل وكنا نلقبه الدكتور. كان شخصاً مصرّاً على المعرفة الى درجة التفاني وتدور في رأسه ربما آلاف الاسئلة وليست العشرات فقط، اسئلة عن كل شيء: الثورة، الاحتلال، فلسطين، التاريخ، وحتى أصل الانسان. 

وأذكر أنه في ليلة واحدة، قرأ باسل ثلاثة كتب بشكل متتالٍ، فصل كل كتاب عن الآخر وقت تدخين سيجارة فقط: كتاب الفن والماركسية لماركس، وتجديد الفكر الديني للترابي، والصورة الفنية في القرآن لسيد قطب. هذا التوق للمعرفة جعله او كان يصنع منه فاعلاً في اتجاهات متعددة وصنعت منه مجتهداً في إقامة الفعاليات ايضا، لذلك لم يكن مستغربا عليه ان يكون دائما متطوعا للسهر على حماية خيمة الاعتصام.

 

ثوري وتراثي معاً

ويذكر صديق باسل حافظ عمر أنه تعرف على باسل أيضا على هامش فعاليات الحراك الشبابي في 2011، الذي كان هدفه انهاء الانقسام، ومنذ ذلك الوقت التقيا في الكثير من الفعاليات الوطنية. وأضاف ان باسل إنسان جميل وكان محبوباً جدا، والجميع يرغب في الالتقاء به والتعلم منه، فهو بالنسبة لي كان دائما مثالاً يحتذى، فيه إنسان محبٌّ صادق وذكي جدّاً وصلب.

وإشار صديقه الآخر محمد حريبات في الأردن إلى ان بداية تعارفهما كانت في إحدى مناسبات اقربائه قبل ست سنوات، وجرى الحديث بينهما ووجدا كثيراً من الأفكار المتشابهة والاهتمامات المشتركة، وباسل كانت لديه اهتمامات بالتراث الفلسطيني والتاريخ الثوري الفلسطيني بشكل خاص.

 

مقاوم فردي مستقل

وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت د. أحمد جميل عزم ان باسل تم استفزازه، وهذا موثق تلفزيونيا، بأنه مجرد ظاهرة صوتية تدعي ولا تقاوم الاحتلال، ولكن في الواقع، كان باسل أحد الشباب الذين لديهم دافع وطني حقيقي، لم يجد برنامجاً او فصيلاً للمقاومة لكي يكون جزءاً منه، فقام ببرنامجه الخاص. 

واضاف د. عزم: باسل شخص استطاع ان يدرك الأسئلة الصحيحة فواجه الموقف الرئيسي وهو الاحتلال، والاجابة البديهية كانت المقاومة، ولكنه واجه أسئلة أخرى معقدة، من نوع أن أطر العمل الجماعي كانت معطلة من فصائل وبرنامج وطني، وبالتالي، كان لا بد من آلية للعمل، فهو كان يسعى لتطوير نظرية وفكرة المقاومة الفردية، وكيف يمكن أن تتجمع المقاومات الفردية بعضها مع بعض وتشكل حالة وطنية شاملة، كان يفكر بالاتجاه الصحيح، ولكن للأسف الزمن لم يسعفه ولم يسعف مشروعه.

 

مستقل ويحترم الانتماء 

وحول الانتماء السياسي للشهيد باسل، قال العيسى إن باسل لم يكن منتمياً لأي فصيل سياسي، لكنه لم يكن ينظر الى المنتمين لهذه الفصائل نظرة سطحية كما يحدث الآن عند بعض الناشطين الذين يرفعون شعار الاستقلالية السياسية. 

من جانبه، قال حافظ عمر ان باسل كان صادقاً مع الناس الذين كان يحدثهم عن الكرامة والثورة والمقاومة والوطن، ولم يكن حديثه من وراء ميكروفون او شاشة، فهو آمن بشيء وعاش لأجله واستشهد عليه. ولم يكن تابعاً لأي فصيل او إطار، بل شمل كل التنظيمات والاطر، اعتز بالمقاومة والمقاومين من كل الفصائل، وبحث في قصصهم، ولم تكن بينه وبين بطولاتهم أي حواجز أيديولوجية.

وأوضح حريبات أن باسل كان قريبا من الجميع الأحزاب، وكان لديه أصدقاء من كل الأحزاب. كان يؤمن بالقدرة الشخصية على التغيير وتوظيف الفرد لأجل المجموعة. كان متواضعا جدا ولم يكن يطرح نفسه كباحث او مفكر، بل كان يطرح نفسه كشخص عادي.

 

ناقد عملي وليس غوغائيّاً

في هذا السياق، أشار عمر إلى أن باسل كان إنساناً علميّاً بنقده وليس غوغائيّاً. كان يقدم الحجج ويحلل الأمور ليقدم استنتاجات متينة يبني عليها مواقفه. لم يكن انفعاليا او من الاشخاص الذين يصرخون في الفراغ، بل كان يقرن آراءه بأفعال وممارسات، أي انه لم يعيش في اغتراب عن مبادئه.

وأضاف العيسى ان باسل عمل على شخصيته وأفكاره وأنتج أفكاره نتيجة التصاقه بالوعي والمعرفة التي لم يتنكر لها ولم يتطاول عليها، لذلك كان من الطبيعي ان نتاج أفكاره تكون عملا وكل ما يعرفه انه آمن بفكرة وطبقها، وكانت فكرة هدفها فلسطين واللحظات الاخيرة في حياته تثبت هذا الايمان.

ويعلق عزم ان باسل كشخص يسجل له أولا أنه كان في الميدان، أي كان مشتبكاً، ولكن هناك الكثير من الناس في الميدان والمشتبكين، وثانيا باسل كان منظراً ومفكراً، وأيضا هناك الكثير من المفكرين والمنظرين، ولكن الذي يسجل حقيقة لباسل هو أنه جمع الاثنين معاً.

 

  • طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018