لضعف القانون الاحتيال.. ظاهرة تتزايد في غزة ولا عزاء للضحايا


وفقاً لإحصائيات النيابة العامة في قطاع غزة، فقد شهد عام 2016 أعلى معدل لجرائم الأموال منذ أعوام، حيث بلغت جرائم النصب والاحتيال 509 جرائم، وجرائم الحصول على الأموال بطريق الحيلة والخداع إلى 829 جريمة، مقارنةً بتسجيل 159 جريمة نصب، و277 جريمة حيلة وخداع في عام 2014، علماً أن هناك عشرات الجرائم غير مسجلة، كون المجني عليه لم يتقدم بشكوى رسمية إلى النيابة، إما لأنه فضل التنازل عن حقه، أو لعدم إيمانه بنجاعة القضاء في استرجاعه، فسلك سبلاً أخرى. وثمة اعتقاد أن العقوبات لا تشكل رادعًا مناسبًا، إذ لا تتعدى، حسب قانون العقوبات المعمول به في قطاع غزة، إلى السجن لبضع سنوات، ودفع غرامة مالية ثابتة، قد لا تشكل 1% من المبلغ الذي حصل عليه جراء النصب والاحتيال.

وفي هذا الصدد، أكدت سيدة (46 عاماً) تتحفظ "الحال" على ذكر اسمها، تعرضها لعملية نصب من قبل أحد زملائها في العمل، الذي أقنعها بالاشتراك في جمعيةٍ لادخار المال مع عددٍ من الموظفين، مقابل أن تدفع 500 شيكل شهرياً، على مدار عام، ويكون دورها في استردادها بعد ستة شهور، وعلى الرغم من أنها لم تكن تعرف أحداً من شركائها إلا أن ذلك لم يمنعها من الموافقة، إذ لم يخطر في بالها أنها ستكون ضحيةً لجشعه. 

وقالت: "بعد مضي ستة شهور أخبرني أن أحد المشتركين تعرض لأزمة مالية، فاضطر أن يعطيه دورها، وما لبث أن جاء الشهر السابع والثامن ليؤكد ذات الحجة".

وتابعت: "أدركت حينها أنني تعرضت لعملية نصب إذ قمت بسؤال إحدى زميلاتي عن أمر الجمعية لتخبرني أنه أنبأها بحجةٍ مشابهة، وهكذا إلى أن اكتشفت أنه يتذرع لكل واحدةٍ منا على حدة، ولم تسترد أي منا مالها".

وأوضحت أنهن قررن اللجوء إلى الشرطة ولكن لم يشجعهن أحد، كون "حبال القضاء والمحاكم طويلة"، فاضطررن بمعاونة زميلٍ آخر لهن التوجه إلى والد المحتال، الذي تكفل بدفع الأموال عن ابنه حفاظاً على سمعة العائلة.

من جهته، قال رئيس الإدارة العامة للتفتيش القضائي في النيابة العامة بغزة، يحيى الفرا، لـ"الحال": "يقصد بجرائم الأموال الحصول على مال مقدر وله قيمة، بوجهٍ غير مشروع، باستخدام أساليب النصب والاحتيال والتدليس والكذب".

وعن أشكال جريمة الأموال فقد تمثلت وفق ما شرح الفرا في التسول الإلكتروني، والسرقات، والخداع والحيلة والتزوير، وغسيل الأموال، وتشغيلها، لافتاً إلى أن الأخيرة تعد الأكثر انتشاراً، مستدركاً أن الطمع هو الدافع الأساسي في ارتكاب مثل هذه الجرائم.

وبين الفرا أن التسول الإلكتروني يعد من أخطرها لما يسببه من إشاعة سمعة سيئة عن الشعب الفلسطيني وفقدان الثقة بصدق حاجته من قبل المتضامنين معه، علاوة على صعوبة كشفه، وغياب الإمكانيات التقنية اللازمة، وعدم تعاون الجهات المختصة بهذا الشأن مع النيابة لأسباب في غالبها سياسية، مشيراً إلى أن مرتكبها يمتلك الدهاء الذي يمكنه من إقناع ضحيته بإرسال المال له.

وأوضح أن جرائم الأموال لها ثلاثة أركان وهي محل الجريمة ويقصد به المال، والركن المادي وهو النشاط الإجرامي والقائم على استخدام أساليب الحيلة والخداع بالاستعانة بصفة أو منصب، وأخيراً الركن المعنوي أي القصد الجنائي وارتكاب الجريمة بدافع التملك الخالص، وليس الاستعارة، مبيناً أن غياب أي ركن من هذا الأركان يُلغي مسماها.

وأضاف الفرا: "بعد التحقق من الكثير من الجرائم التي تردنا على أساس أنها جريمة مالية، نكتشف أنها غير متكاملة الأركان، ما يدفعنا إلى إحالتها إلى المحاكم المدنية المختصة، كونها لا تعتبر جناية ولا تعد من اختصاص المحاكم الجزائية".

وعن نجاعة القانون في ردع مرتكبي جرائم الأموال، أكد أن القانون المعمول به في قطاع غزة هو قانون العقوبات رقم 74 لسنة 1936، وهو غير رادع البتة، كونه لم يفصّل بشكل دقيق جرائم الأموال، وأشكالها، ووضع عقوبة محددة بغض النظر عن مدى خطورة الجريمة، إذا لا تتجاوز العقوبة في أقصاها عن السجن لمدة خمس سنوات ودفع غرامة مالية ثابتة مقدراها 20 ألف دينار أردني.

ولفت الفرا إلى أن الحكومة في غزة عدلت المادة 301 في القانون في عام 2013 فقط بإضافة سلطة تقديرية للقاضي بالحكم على المتهم بأكثر من خمس سنوات إن لزم الأمر، منوهاً إلى أن التعديل لم يزد القانون إلا قصوراً، مطالباً الجهات المعنية بضرورة تعديل القانون من أجل الحد من انتشار مثل هذه الجرائم، والوقوف على تفاصيلها الحقيقية.

من ناحيته، عزا المحلل الاقتصادي أمين أبو عيشة لـ"الحال" أسباب ازدياد جرائم الأموال في الآونة الأخيرة إلى ضعف منظومة الدخل وثبات قيمته، وارتخاء المقومات الحياتية في غزة، وارتفاع معدلات البطالة خلال السنوات العشر الأخيرة، بالإضافة إلى عدم وجود نوعٍ من الرقابة والمساءلة القانونية الزاجرة، علاوة على ظهور عمليات تشغيل الأموال عبر وسطاء، وعدم محاسبة الوسيط على اعتبار أنه أيضاً تعرض للاحتيال، الأمر الذي أثر على ارتفاع معدلها بشكل ملحوظ.

وتابع أبو عيشة حديثه قائلاً: "إن تلك الأسباب هي أسبابٌ ظاهرية، لكن السبب الحقيقي يكمن في الانقسام الفلسطيني الذي أدى إلى تعميق الخلاقات السياسية وتراجع المنظومة الاقتصادية والاجتماعية داخل قطاع غزة".

واستطرد أبو عيشة أن معظم حالات النصب تأتي من عمليات تشغيل الأموال بطرقٍ مجهولة، نتيجة الركود والكساد الاقتصاديين اللذين يعاني منهما قطاع غزة، وضعف منظومة الاستثمار الحكومية والأهلية.

وبين أن الحل يكمن في تعديل القانون، ووضع الانقسام جانباً، داعياً إلى تعاون الجهات المختصة مع بعضها، للحد من انتشار هذه الجرائم.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018