في حي الياسمينة النابلسي.. صالونٌ تاريخي لشيخ الحلاقين

في طلعة حي الياسمينة الشهير بمدينة نابلس، يقع صالون أقدم حلاّق في فلسطين ويعود للحاج وليد حلاوة "أبو حسن"، الذي لا يزال يمارس الحلاقة منذ عشرات السنين، ويُعد هذا الصالون المكان المُفضّل لكبار السن، في حين يُصنّف حلاوة بأنه العدو اللدود لقصّات الشعر العالمية، ويعتبر الحاج صالونه جزءاً لا يتجزأ من الإرث الحضاري والتاريخي لنابلس القديمة.

87 عاماً هو عمر الحاج وليد حلاوة الذي ما زال يحتفظ بالأثاث الأول لصالونه حتى اليوم، رافضاً الاستغناء عنه، وقد عاش ظروفاً صعبة حتى تمكن من افتتاح مصدر رزقه. يقول أبو حسن: "تعلمت الحلاقة على يد حلاّق من حارتي، ثم تنقلت لأعمل حلاّقاً أجيراً في عدة صالونات مختلفة لمدة تتجاوز 17 عاماً، وبعد ذلك بدأت عملي في هذا الصالون الخاص منذ ما يزيد على ستة وستين عاماً وبالتحديد منذ عام 1949م".

 

لكل صورة حكاية

"بالنسبة للأثاث من الكراسي والخزائن والأبواب وغيرها، فقد أنجزها لي نجارٌ قريب بتكلفة ستة دنانير، ورفض أن يقبض مني نصف ثمن الأثاث فوراً عندما عرضت ذلك عليه، بل أعطاني النجار فرصة حتى أتمكن من مباشرة العمل في الصالون"، وفق حلاوة.

جدرانٌ عتيقة وسلسلةٌ من الصور الشخصية الأرشيفية، وبسمات وضحكات الحلاّق، وأصوات زقزقة العصافير، ودراجة هوائية مركونة في إحدى الزوايا، هذا جلّ ما تسمعه أذناك وتُبصره عيناك عند دخولك الصالون، ويؤكد حلاوة في هذا الصدد أن لكل صورةٍ متربعة على الجدران قصة تعنيه، فهذه الصور لشهداء في الانتفاضتين، وقادة فلسطينيين من الفصائل المختلفة، وتلك الصور تجمع الحلاّق ببعض أصدقائه ورفاقه، وصورٌ أخرى لأبنائه وأحفاده.

يحتفظ حلاوة بصورة لوالده وليد، وصورة ثانية لصديقه الشهيد فتحي البلبل الذي كان من الزبائن الدائمين للصالون، وحلاّق الحلاّق حلاوة عند الحاجة، وقد استشهد البلبل في اجتياح البلدة القديمة في نابلس خلال عملية السور الواقي عام 2003، وهناك صورة شخصية لشقيق الحاج حلاوة وهو الشهيد إبراهيم، الذي ارتقى في معركة الكرامة الشهيرة.

 

الأصلع لا فائدة منه!

ويتندّر الحاج حلاوة على قصّات الشعر الحديثة، وينعتها بأوصافٍ ساخرة "مسامير"، "خنفساء"، "الحصان"، "ما أنزل الله بها من سلطان"، ويصر على الاحتفاظ بأدوات الحلاقة القديمة ويفضّلها رغم أنه لا يستخدمها، ويوضح أن الماكينة القديمة لقص الشعر تمتاز بالدقة والأداء الممتاز أكثر من الماكينة الحديثة، والأولى لا تعمل على التيار الكهربائي بل هي هوائية ولا تسبب تحسساً لشعر الرقبة أثناء الحلاقة.

الحاج أبو حسن حلاوة رجلٌ خفيف الظل ويمتاز بروحه المرحة، يقول عن زبائنه مازحاً: "زبائني في غالبيتهم من العجائز وكبار السن، الرجل الذي يتوفاه الله منهم أو يُصيبه الصلع لا منفعة منه، وهو خسارة للصالون، فلن يأتي مكانه أحد".

يقول أحد الشبّان الجالسين بجوار صالون الحلاقة: "يوجد شباب كثيرون يحبّون الحكايات القديمة وكلام كبار السن الرائع، لكنهم لا يفضلون قصّات الشعر العادية، من يدخل عند أبو حسن، فلا بد أن يعيش أجواء البساطة وطيبة الأجداد القدماء".

ويضيف: "أنا أفضّل القصّة العربية في حلاقة شعري، وأحياناً أحلق على الصفر، ولكل إنسانٍ ذوق خاص، والحلاّق هنا يُشعرك بالراحة ونتجاذب أطراف الحديث، كما أنه قريبٌ من مكان سكني"، مؤكداً أن حلاوة في حال اقتناعه بتسريحات الشعر الحديثة، فإنه سيجذب الزبائن بشكلٍ كبير بلا شك، "لكنه يرفض ذلك وأحترم رأيه الشخصي".

يتمتع حلاوة باحترام أهالي البلدة القديمة في نابلس نظراً لخفة ظله، ويمتاز بصحة جيّدة حيث لا يعاني من أي مرض مزمن رغم كبر سنه، ويتنقل يوميا على دراجته الهوائية، ولا يلتزم بيوم الاثنين كعطلةٍ لحلاّقي الصالونات، فهو كما يقول "أرى هذا الصالون ليس مجرد عمل، بل مكانٌ للالتقاء بالأصدقاء والاستمتاع معهم، ويوم العطلة اليتيم عندي في الأسبوع هو يوم الجمعة، وأيضا ما زلت أستعمل وسيلة النقل نفسها في الذهاب والإياب منذ بدء عملي في الصالون وهي دراجتي الهوائية".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018