صوافطة: موظف في السادسة عشرة وخريج على عتبة الخمسين!

 يجلس مطيع فلاح صوافطة خلف مكتبه بهدوء، وتخفي ابتسامته الدائمة سيرة موظف التحق ببلدية طوباس في السادسة عشرة، وفي رصيده اليوم 43 عامًا في المكان ذاته. يقول بإيجاز: تغير كل شيء تقريبًا من حولي وبقيت أنا، ولا أشعر بالملل بعد. 

أبصر صوافطة النور في الرابع من تشرين الأول 1958، ودرس في مدارسها الابتدائية والإعدادية، وعام 1974 اجتاز (المترك) الإعدادي، وانتقل مباشرة لطاقم البلدية، ليكون اليوم أقدم موظف فيها. 

 

طباعة ورواتب

يسرد أبو سامر كما يعرفه أهالي المدينة: بدأت بوظيفة مراسل، وتعينت في صيف 1974، وبعد عامين نلت دبلوم طباعة وحصلت على ترقية طابع وكاتب، واستلمت مهام مفتش الصحة واللحوم، ووصلت إلى سكرتير لجنة التنظيم والبناء، ثم اشتغلت محاسب مياه، ومحاسب ضريبة التربية والتعليم (المعارف)، بعدها سكرتير البلدية، وبقيت في لجنة التخمين حتى 2010، وحصلت على درجة تميز، ومنذ سبع سنوات أتولى إدارة شؤون الموظفين في البلدية.

كان الراتب الأول الذي حصل عليه صوافطة (25) ليرة تضاعف عشرات المرات، ولاحقه غلاء المعيشة، وعلاوة الزوجة والأطفال الثلاثة، وتغيرت خلال العقود الأربعة شكل العملة الإسرائيلية وتسميتها وعدد أصفارها، لكنه استمر في موقعه.

يحفظ صوافطة أرقام هواتف دوائر طوباس ومسؤوليها عن ظهر قلب، ويحيط بغالبية أرقام القطع والأحواض داخل حدود البلدية، ويلم بالأسماء الرباعية لغالبية مواطني مدينته، ويستطيع تحديد موقع أراضي طوباس من رقم الحوض.

يزيد: حصلت بعد عشر سنوات في الوظيفة على شهادة التوجيهي بفرعها الأدبي، وعام 2006 نلت الشهادة الجامعية في إدارة الأعمال من جامعة القدس المفتوحة، وقتها كنت في سن الثامنة والأربعين، وتفوقت في العمر على معظم المحاضرين والطلبة كلهم، وتخرجت بتميز، وكنت على بعد خطوات من التسجيل في الماجستير، وتزامنت دراستي مع التحاق ابني سامر في دراسة الهندسة، وبعد تخرجه بدأ أحمد في العلوم المصرفية، لحقته ابنتي الوحيدة في الصيدلة. ووفق أبو سامر، فإن التغييرات الأبرز التي عصفت بمهنته: انتهاء عصر الآلة الكاتبة، التي كان تصحيح الخطأ فيها يحتاج إلى شطب الصفحة كلها، ودخول الحواسيب والهواتف المباشرة والمتنقلة ثم الذكية، واختلاف أنظمة الأرشفة، وتبدل طرق حفظ البيانات والمحاسبة. 

 

هواتف ورؤساء

ويتابع أبو سامر: كان الاتصال بالهاتف يحتاج إلى فريق عمل، يبدأ بطلب الخط يدويًا من مقسم البريد، ثم الوصول إلى البدالة في نابلس، بعدها الظفر بصاحب الرقم. ويومها بدأت الأرقام بخانة واحدة، ثم تضاعفت إلى ثلاثة بنظام نصف أوتوماتيكي، وصارت ستة أرقام، وحديثًا تضاعفت إلى سبعة. 

وبحسب صوافطة، فقد كانت حصة طوباس 50 خط هاتف بالتسلسل، منها رقم وحيد لبلدة طمون ومثله لبلدة عقابا، وكان نصيب البلدية الرقم (4)، فيما تترك ثلاثة خطوط فارغة للحاجة، ولاستخدامات مسؤولي الدوائر الحكومية المهمة. أما السيارات، فلم تكن البلدية تملكها، وكانت تقضي حوائجها بجرار زراعي، في حين كان التيار الكهربائي يدار بمولد يعمل طوال الليل وأحيانا بالنهار جزئيًا، إلى أن دخلت الشبكة القطرية عام 1998.

يتابع: عملت مع رئيس البلدية الراحل هاشم الصالح 25 سنة، وسنة واحدة مع المرحوم فائق الحافظ، و8 سنوات مع ذياب أبو خيزران، و12 مع الرئيس الحالي عقاب دراغمة. وكان عدد طاقمنا بداية عملي 25 موظفًا وأصبحوا اليوم 51، وكانت البلدية طابق تسوية يستعمل مدرسة ابتدائية، والأرضي بلدية فيها مكتب عمل، وشؤون اجتماعية، وزراعة.

 

صلاحيات وطرائف

وتبعًا للصورة التي يرسمها صوافطة، فقد تحول قطاع الكهرباء إلى شركة، والمياه والصرف الصحي والنفايات إلى مجالس خدمات مشتركة، وخلال حرب الخليج عام 1991، كانت البلدية مسؤولة عن توفير احتياجات المواطنين، وتؤمن تحرك أصحاب الأفران في ظل منع التجول، وتساعد المزارعين في تسويق الخضراوات، وتُحضر الأدوية واسطوانات الغاز للموطنين، وتنقل المرضى إلى المستشفيات. وتم اعتماد طوباس بلدية أواخر عام 2007، وقبلها كانت تتبع جنين ثم صارت محافظة.

ويضيف أبو سامر: كنا نصدق على معاملات جوازات السفر، ودفاتر العائلة التي انتقلت إلى الغرف التجارية، ثم أصبحت من صلاحيات المحاكم الشرعية. ولا أنسى كيف كنا نُشغّل صفارة الإنذار المثبتة على سطح مبنى البلدية خلال حرب الخليج وسقوط الصواريخ العراقية على تل أبيب وحيفا، ووقتها كانت النسوة يطلقن الزغاريد، واليوم نستعمل الصافرة، التي ورثناها من متطوعي الدفاع المدني عام 1967 إبان العهد الأردني، خلال الاحتفالات والمسيرات الوطنية.

ومن الطرائف التي لا تغادر صوافطة خلال عمله الممتد، امتصاصه لغضب المراجعين، فحين التقى بأحد المواطنين أخذ يشتم البلدية لفتحها طريقاً من أرضه، ثم طلب منه الاتصال برئيس البلدية وإخباره بأنه يشتمهم، فطلب الرقم، وأخبر الرئيس بصوت عالٍ بأن المواطن الذي شقت له البلدية طريقًا قبل أيام يشكرها، ويتمنى عليها إكمال معروفها، وإزالة الحجارة من أرضه، فرد بأنه يسمع شتائم وصراخ. فأجابه: ما تسمعه موجه من الأب لابنه، فضحك رئيس البلدية والمواطن معًا، ولولا ذلك التدخل لحدثت مشكلة.

ويختم أبو سامر: لا أستنفد غير عشرة أيام من إجازتي السنوية، وأعمل خلال الليل معظم الأيام، وأثناء منع التجول كنت أحول الهاتف إلى منزلي لمساعدة السائلين، ولم أفكر في الاستقالة بعد، ولن أترشح في أي انتخابات قادمة.

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018