دور السينما في غزة.. ذكريات مفرحة وواقع محزن

 يعيش قرابة مليوني نسمة في قطاع غزة، بدون أي دور للسينما، أو المسارح، أو المراكز الثقافية، أو حتى الفرق الفنية الفلكلورية، أو المتنزهات، رغم أنها كانت منتشرة قبل الانتفاضة.

ويعود تاريخ السينما في غزة إلى أربعينيات القرن الماضي، حين أسس رئيس بلدية غزة آنذاك رشاد الشوا، أول دار للسينما عرفت باسم "سينما السامر"، وذلك في العام 1944.

وقبيل اندلاع الانتفاضة الأولى عام 87، كان هناك العديد من دور السينما، كالنصر، والجلاء، وعامر، والسامر، في مدينة غزة، وسينما العودة في مدينة رفح، التي كانت تُقدم أفلاماً مصرية، وصينية، وهندية، إلا أنه بعد اندلاع هذه الانتفاضة، وإقدام بعض التنظيمات المحسوبة على التيارات الإسلامية، على تخريبها وحرقها، إلى أن أصبح حال بعضها حتى هذه اللحظة شاهداً حياً على الجريمة التي ارتكبت بحقها.

سينما الجلاء وسينما عامر أصبحتا أثراً بعد عين، في حين أن سينما النصر وسينما السامر، لم تتبق منهما سوى لافتين تشيران إلى اسميهما، وجدران سوداء مهجورة منذ عقود من الزمن، وقد تحولتا إلى مرتع للكلاب الضالة والقطط والفئران، والكثير من الناس يمرون بجوارهما وكأن شيئاً لم يكن.

القليل ممن كانوا روادها، يكتفون بإطلاق زفرات الحسرة على ما وصل إليه حال الفن والفنانين، والكتاب والمخرجين، الذين يبحثون لهم عن مكان يفرِّغون فيه طاقاتهم الإبداعية.  

وقبل أن يجيب الكاتب والمخرج الفلسطيني مصطفى النبيه، على سؤال وجهته له "الحال": أين تقضي هذا المساء؟، زفر زفرة طويلة تنم عن مدى الحسرة التي يعيشها وأمثاله في غزة، قائلاً: "مساؤنا مجرد من التفاصيل، فالعصفور الذي وُلد ووجد نفسه في قفص مع الزمان سيصيبه ضمور ولن يستطيع التحليق".

وأضاف النبيه: "يبدو أن ثقافتنا حوصرت بين جدار، فأصبحنا غير قادرين على التنفس، فأنا مثل غالبية أبناء الشعب، مسائي أقضيه أمام شاشة اللابتوب أتابع الأخبار ثم أشاهد فيلماً حصل على جائزة، وأطوف بين الكتب لقراءة الأدب وخاصة الروايات، وفي الليل أنام وأنا أستمع لمحاضرات تناقش قضايا كونية، روتين يومي لا يبشر بخير يجرني إلى عزلة مطلقة بإرادتي". 

الكاتب الدكتور عبد الله أبو العطا، قال: "غزة منذ زمن بعيد وبسبب ما يمر بها وكأنها خارج سياق التاريخ. لحظات السعادة والفرح قليلة. الإنسان عندما يسعد ويضحك يقول اللهم اجعله خير ويدق على الخشب خوفاً من حدوث فاجعة أو مكروه".

وتابع: بعض الشباب يذهبون للتنزه في منطقة الجندي المجهول، والبعض الآخر يتابعون مباريات كرة القدم في المقاهي، أما النخب السياسية والثقافية، فتلتقي وتتحاور فيما بينها، في ظل عدم وجود مسارح ودور سينما في غزة.

الكاتب ذو الفقار سيرجو قال: "المسرح من الركائز الأساسية لتطور ثقافة الشعوب وتزاوجها، وغيابها نقيصة كبيرة، خاصة أنها منبع ترفيهي وثقافي واجتماعي في أوقات الفراغ بدلاً من الجلوس على المقاهي لتكرر نفسك بشكل يومي وممل". وختم سيرجو حديثه بقوله: "أنا أفضّل المسرح".

المواطن مدحت حلس، قال: "في ظل خلوّ غزة من أية مظاهر للفن سواء كان التمثيل على خشبة المسرح، أو عرض الأفلام في دور السينما، لن أذهب إلى أي مكان، بل أقضي وقتي على جهاز الكمبيوتر أُقلب صفحات الفيسبوك.

ولم يختلف حديث الكاتب والمدون، ومصمم جرافيك ومخرج مطبوعات سائد حسونة، عن حديث من سبقه، حيث قال: "عادة أذهب إلى الميناء أو إلى زيارة الأهل أو إلى ساحة المجهول أو السير على كورنيش البحر".

وأضاف: "لا بد من وجود دور سينما ومسارح في أي مجتمع، خصوصاً المجتمع المحتل صاحب القضية ليكون إحدى الأدوات المهمة في إيصال رسالة الحقوق المضطهدة، وإلى تقوية الروح المعنوية والتأثير في الرأي العام للحصول على أكبر حشد وإجماع واصطفاف حول القضية الفلسطينية". 

وقال: "من واقع تجربتنا، على الجهات المعنية في الحكومة توفير المناخ المناسب للبدء بترميم السينما الفلسطينية، وإنشاء المسرح القومي الذي يجمع كل أطراف الحضارة الفلسطينية، لما للفن السابع من أهمية كما قيل: أعطني مسرحاً، أعطِك أمة".

خبير التنمية المجتمعية والمحاضر الجامعي د. بسام بن سعيد، قال: "رغم عدم وجود أي دور للسينما حالياً بقطاع غزة، فسكان القطاع يحاولون العيش بالممكن والمتاح، حيث إن أغلب العائلات، ولغياب الثقافة السياحية لديها، تلجأ للزيارات اﻻجتماعية ومشاهدة البرامج التلفزيونية المختلفة.

وتابع بن سعيد، ولكن في واقع الأمر، غياب دور العرض السينمائية والمسارح يؤدى إلى تراجع الذوق الفني ويحرم الأسر من قضاء أوقات جميلة تحتاجها للترويح عن النفس في ظل ظروف الإغلاق والحصار، ولذلك مطلوب من المجتمع المحلي ووزارة الثقافة وصناع القرار تفعيل دور المسرح وإنشاء دور للسينما لتعرض الأفلام الهادفة لتفريغ الطاقات الشبابية وقضاء الأوقات الهادفة حتى ﻻ يقع الشباب أسرى للتطرف الفكري والإدمان.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018