إعداد الأبحاث الجامعية.. تجارة رائجة في غزة

 بينما كنت في إحدى المكتبات، لفت انتباهي حوار بين طالب جامعي وصاحب المكتبة يسأله فيه عن بحث التخرج الخاص به، فأكد الرجل أنه سيتسلمه في غضون يومين. 

اعتقدت حينها أن الأمر يقتصر على طباعة البحث وتغليفه وتجهيزه فنيا، لأفاجأ أن الطالب لا يعرف عن بحثه شيئا سوى العنوان، فيما تقوم المكتبة بإعداد البحث من الألف إلى الياء.

ويختلف المبلغ الذي يدفعه الطالب حسب نوع البحث، فالبحث الفصلي أرخص من بحث التخرج الذي قد يكلف مئتي دولار، فيما يصل سعر الأبحاث الخاصة برسالة الماجستير إلى مئة دولار للبحث الواحد أو للمساهمة في البحث النهائي للرسالة.

يقول أبو عوني (اسم مستعار) صاحب إحدى المكتبات: "بدأت في إعداد الأبحاث للطلاب كنوع من المساعدة على إنجاز البحث، لكنها كانت مشاركة جزئية خصوصاً للطلبة الذين يمرون بظروف خاصة كالمرض أو الزواج أو السفر ويريدون تسليم البحث في موعده".

وأضاف في حديث مع "الحال": "الموضوع تطور لدى كثير من الطلبة، خصوصاً ممن يعملون أثناء دراستهم الجامعية وليس لديهم وقت لإعداد البحث، فيلجأون إلى المكتبات الخاصة لإنجاز البحث كاملا".

أبو عوني يعمل في هذا المجال منذ ثلاث سنوات وكان يعتقد أن الكمبيوتر الصغير الذي كان يمتلكه في منزله سيقتصر على أبحاث طلبة المدارس، لكنه وصل اليوم إلى طلبة الماجستير.

وعن كيفية إعداد البحث، يؤكد أبو عوني أنه يلجأ بشكل كامل إلى مواقع الانترنت العلمية والى المكتبات الالكترونية لإعداد الأبحاث، وحسب وصفه "يتفنن" في البحث الذي يدفع صاحبه أكثر وينجزه له بشكل أسرع.

وثمة شاب عمره (38 عاما) التقته "الحال" يقضي جل وقته في المكتبات الجامعية متنقلا بينها للتحضير للأبحاث التي طلبت منه مقابل مبلغ رمزي حسب وصفه  ليعينه على مواجهة الحياة.

هذا الشاب اتخذ من الأمر مهنة بعد أن أنهى دراسة الماجستير دون الحصول على وظيفة فلجأ لهذا النوع من العمل لتأمين مصاريف عائلته.

يقول: " يعز علي تعبي وجهدي ولكن هنالك الكثير من الطلبة لا يريدون أن يتعبوا فيدفعوا مقابل الحصول على بحث جاهز سواء من خلالي أو من خلال غيري. على الأقل أنا أعد بحثا لهم ولا أسرق من الانترنت كما يفعل غيري".

 

مبررات!

أما الطلبة الذين باتوا يرون في الأمر سهولة لأن المهم من وجهة نظرهم هو الشهادة والتخرج، فلا يدركون خطورة ما يرتكبونه على مستقبلهم العلمي والعملي.

تبرر ولاء الداعور (22 عاما) التي درست اللغة العربية، اعتمادها على شراء الأبحاث، بأنها بكل الأحوال ستأخذه من الإنترنت "قص لصق" على حد تعبيرها قائلة: "أغلب الطلاب اليوم إما يشترون الأبحاث أو يأخذونها من الانترنت".

وعن سبب توجهها لذلك، تقول: "المقررات صعبة وتطلب منا أبحاث كثيرة غير الامتحانات ولا نستطيع انجاز كل ذلك في وقت واحد".

أما معمر عدوان (23 عاما)، فيعترف بضعف رقابة المدرسين على أبحاث الطلبة، مشيرا إلى أن أول بحث اشتراه كان خلال السنة الدراسية الثانية، حيث اضطرته ظروف صحية لذلك، وعندما وجد نفسه حصل على علامة مميزة مقارنة بزملائه الآخرين، كرر الفكرة مع كل بحث يطلب منه.

فيما تقول شذى جاسر التي درست التعليم الأساسي إنها تعتمد جزئيّاً على المكتبة، فهي تُعد الجانب الأكبر وتقتصر المساعدة فقط على تفريغ الاستبانات وتحليلها، ثم تقرأها جيدا قبل تسليم البحث لتستطيع الرد على أي سؤال من المناقش.

 

إجراءات عقابية

أما عن دور الجامعات في مواجهة هذه الظاهرة، فتقول المحاضرة بالكلية الجامعية للعلوم التطبيقية بغزة هبة سكيك: "الجامعة تتخذ إجراءات رادعة بحق الطلبة الذين يثبت أنهم أنجزوا أبحاثهم بمقابل مادي، وأضعف العقاب هنا هو ترسيب الطالب في المادة".

وأضافت: "إدارة الجامعة تساند المدرس في هذه الإجراءات وتشدد عليها ولا تحاول ثنيه عن القرار حتى لو وصل الأمر أحيانا لفصل الطالب لو تكرر الأمر".

وعن كيفية اكتشاف المدرس للأبحاث المسروقة، فتشير سكيك إلى أن المدرس يستطيع بسهولة ذلك من خلال  تقييمه لمستوى الطالب ومستوى البحث المقدم ومناقشة الطالب فيه، وهنا يتبين مدى عجز الطالب عند المناقشة، لأنه مهما حضر وقرأ البحث، فلن يكون كمن أعده وتعب عليه.

أما الدكتور حافظ الشريف مشرف اللغة العربية في جامعة الأقصى، فيرى في هذه الأبحاث شكلا جديدا من السرقات العلمية التي تهدد مستقبل البحث العلمي، "فالمكتبات التي تعد مشروعات التخرج لطلاب البكالوريوس تؤهل هؤلاء الطلاب للسير في طريق السرقات العلمية فيما بعد دون احترام لحقوق الملكية الفكرية".

وقال: "إذا كانت قوانين حماية الملكية الفكرية تضمن حقوق الملكية الفكرية، فانه يجب تطبيق العقوبات على من تثبت بحقهم السرقة العلمية،‏ سواء سرقة مباشرة لأبحاث الغير أو بشرائها من المكتبات الخاصة بذلك".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018