فاطمة المجد.. عروسٌ تنتظرُ الزفاف لأسيرها بعد 20 عاماً

 

فاطمة علي بربر، أو (فاطمة المجد) كما تحب أن تسمّي نفسها، لم تكد تنهي ثلاثة أعوام من بدء حياتها الزوجية مع مجد- أبو المنتصر، ولم يمر على تاريخ إنجابها لطفلتها زينة سوى 15 يوما، حتى خطف الاحتلال زوجها مجد بربر من بيته في حي رأس العامود بالقدس، لتبدأ رحلة انتظار طالت 15 عاما، ولن تنتهي قبل انقضاء خمس سنوات أُخَر.

"الحال" التقت فاطمة، لتتحدث عن سنوات أسر زوجها، ولقائه أول مرة بابنته، والأمل الذي تعيش عليه لتلتي زوجها بعد تحرره.

 

بعد كل هذه السنين من تغييب زوجك عن بيته وأولاده، ما هي أصعب اللحظات والمواقف التي تمرين بها؟

 

أصعب اللحظات التي مررت بها، ولا أزال أعيشها كل يوم، هي أوقات الفرح والترح، فأنا أتذكر زوجي في كل لحظة، لا سيما عندما نفقد أحدا من أفراد العائلة؛ قبل شهر شعرت بصعوبة بالغة حين زرت زوجي في السجن وأنا مضطرة لإخباره بوفاة عمه، وهو الذي فقد ابن عمه وعما آخر خلال فترة سجنه.

وفي مواقف الفرح أيضا، كنت أشعر بصعوبة بالغة، وأحاول التعايش مع أجواء الفرح ولكن فرحتي منتقصة بسبب غياب حبيبي وزوجي.

 

عندما اعتقل زوجك، كنت ابنة 23 عاما واليوم أنت تبلغين 38 عاما من العمر، كيف تلخصين 15 عاما من نضال قدمته شابة مقدسية مثلك؟

 

لم يكن سهلا أبدا أن أدرك غياب زوجي عني لأكثر من 20 عاما، وكان وقع خبر حكمه كالصاعقة على رأسي، وليس هناك أي وصف آخر ممكن أن يصف شعوري ذلك اليوم، ولكن ما أستطيع قوله هو أنني أستطيع بفضل الأمل المزروع بداخلي أن أقف على قدميّ. وأعتبر أن أهم إنجازاتي اليوم هما ولديا منتصر وزينة، فنضالي كان بهما ولهما.

 

ما هو السلاح الذي تسلحت به من أجل خوض هذه المعركة الطويلة؟

 

تسلحت بسلاح الأمل وحبي لزوجي الذي اخترته واختارني؛ الحب والأمل اللامتناهي بيننا، تسلحت أيضا بحب ودعم عائلتي وعائلة زوجي والأصدقاء، كما ساعدت نفسي بنفسي عن طريق الرياضة والقراءة، وزوجي يدعمني نفسيا في كل زيارة، يشد من أزري وأشد من أزره.

 

صفقة شاليط أفقدتني الأمل

هل مررت بموقف أو لحظة شعرت بها أنك ترغبين بالاستسلام أو التوقف؟

 

قبل خمسة أعوام، حين عقدت صفقة تبادل الأسرى بالجندي الإسرائيلي (جلعاد شاليط)، كان لدي أمل بأن زوجي سيكون في قائمة المحررين، وبدأت تهيئة نفسي وعقلي بأن زوجي سوف يتحرر. وهنا كانت الصدمة فلم يكن اسمه ضمن أسماء المحررين، أصبت بتعب داخلي جسيم واتخذت قرارا بصمت بيني وبين نفسي بعدم البقاء، حقا شعرت حينها بجرح كبير وكأن مجد قد أعيد اعتقاله من جديد، واستسلمت لأسبوع موجع، ولكن عدت لأملي ولوعدي الذي قطعته لزوجي.

 

كما واجهت ألما رهيبا عندما كان يشارك زوجي بالإضراب عن الطعام.. لم أكد أتعرف على ملامح وجهه لما أصابه من شحوب ونحافة وهزل في جسمه، ما جعلني أبكي لأيام بعد الزيارة.

 

كيف ترين حياتك بعد خمسة أعوام، بعد الإفراج عن مجد، ما هي تصوراتك لحياة تجمعكما مع طفليكما بعد 15 عاما من الفراق؟ 

 

هنا الحياة ستكون كما أحلم وكما يحلم هو، فأنا ومجد نتحدث كثيرا خلال الزيارات في العامين الأخيرين كيف ستكون حياتنا بعد الإفراج عنه، ونخطط لعمل عرس فلسطيني جديد أرتدي فيه البدلة البيضاء، فجل ما قضيناه من الوقت مع بعضنا كان سنتين وسبعة شهور، ونتحدث عن خططنا بالسفر مع أولادنا، لتعويض أنفسنا عن الفراق والحرمان. نريد أن نعيش معا، وأن نفرح معا، وأن نقضي ما تبقى من حياتنا سويا، وأنا مؤمنة تماما بأن مجد يستحق كل هذا الانتظار.

 

ما هي أبرز المخاوف التي يخيل لك أنك ستواجهينها بعد الإفراج عن مجد؟

 

أحاول في الزيارات أن أضع مجد في صورة حياتي أنا وأولادي والعائلة والأصدقاء والعمل، ليكون على دراية مستمرة بطبيعة حياتنا ومجرياتها، وبالمقابل فأنا أعده باستمرار بأنني سوف أحتمل أي اختلاف قد يحدث في وجهات النظر، وأتوقع منه ذلك أيضا لأن أبا المنتصر رجل مثقف وواعٍ لكل ما يدور حوله، فقد أنهى تعليمه الجامعي خلال فترة وجوده في السجن وحصل على شهادتي البكالوريوس والماجستير في العلوم السياسية، ويحاضر الآن للأسرى المنتسبين إلى الجامعات وذلك باعتماد من وزارة شؤون الأسرى وجامعة القدس.

 

زينة تلتقي والدها بعد 15 عاما

صفي لنا لحظة لقاء زينة بوالدها واحتضانه لها أول مرة بعد أن غادرها وهي ابنة الـ15 يوما؟

 

هي لحظات بسيطة، بضع دقائق كان فيها زوجي مجد متخوفا جدا من لقاء ابنته، أما أنا فكنت خائفة على زينة من لقاء والدها، فقد كانت عيناها تتحدثان بالصدمة، تبتسم والدموع في عينيها وكأنها لا تريد أن ترمش حتى لا تسقط دموعها على خديها. دقات قلوبنا كانت مسموعة. أخذ مجد يتلمس وجه زينة وشعرها، حملها وهو يقول لي: "فاطمة زينة كبيرة ووزنها ثقيل"، فأجبته: "عمرها 15 سنة يعني صبية". 

 

هل وجدت أن المجتمع، أفرادا وجماعات يعطي زوجة الأسير حقها، ويدعمها، ويساندها، ويقدر ما تمر به من صعوبات الحياة، أم أنه قد يتركها تخوض معاركها وحيدة؟ وهل تقدم المؤسسات الرسمية والأهلية لزوجة الأسير الدعم الكافي سواء كان ماديا أو معنويا أو نفسيا؟

 

مجتمعنا ليس مجتمعا داعما، ومن يساند أحيانا هم الأهل فقط، ولكن أستطيع القول إن فاطمة صنعت نفسها بنفسها، وجعلت منها امرأة قوية دون أية مساعدة. ليس هناك أي دعم مقدم من أي جهة أو مؤسسة باستثناء وزارة شؤون الأسرى والمحررين الذين يقدمون الدعم المالي. 

 

ما هي أهم نشاطاتك في سياق العمل المجتمعي والتطوعي المتعلق بأهالي الأسرى والشهداء؟ 

 

لم أذكر يوما أنني تخليت عن مساعدة معنوية لأي أم أسير أو زوجة أسير أو أخت أسير، ولكنني أتحيز كثيرا لزوجة الأسير، أشعر أنها أنا وأنا هي، وكنت وما زلت داعمة لقضية الأسرى وأهاليهم، وأقف في الصفوف الأولى في الاعتصامات أمام الصليب الأحمر تضامنا مع قضايا الأسرى بغض النظر عن انتمائهم السياسي، خصوصا في مراحل الإضراب عن الطعام لنيل حريتهم.

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018