عدي الدباغ.. فتى الهلال المدلل أصبح هدافا

 

يقفز وكرة القدم عابرا مع غروب الشمس إلى زقاق حارة السعدية في البلدة القديمة من مدينة القدس، عبر باب الساهرة، المنفذ الوحيد الذي يوصل عدي الدباغ (19 عاما) إلى خطوط الطباشير التي ترسمها يداه وبقية أصدقائه الأطفال، على شكل مستطيل لكنه ليس أخضر، وتصنع على طرفيه قوائم المرمى من الحجارة او من سلال النفايات، يسلم على أقرانه وتتم عملية القسمة العددية، قبل أن تنطلق أرجلهم تركل الكرة في كل اتجاه دون تكتيك أو احتراف، ولكن بشغف ومتعة. 

من تلك الحارة المقدسية كانت بداية الحكاية لموهبة فلسطينية كبرت مع كرة القدم، وأضحت اليوم اسما يصرخ به معلق المباراة محتفلا بأهداف هلال القدس بإمضاء اللاعب عدي الدباغ صاحب الرقم "15" في الوقت القاتل، أي بدل الضائع. وتشاهده على عناوين الصحف والمواقع الإخبارية بصفته "البديل الحاسم"، ما دفعه للقول: "انه لأمر جميل، ويربي الفخر ايضا حينما يرتبط اسمك بقلب، وأتمنى أن أظل على هذا المنوال وأتطور أكثر فأكثر". 

 

حارس السعدية.. مدافع الهلال

صعد الدباغ من الفئات العمرية لنادي هلال القدس، متصدر سلم الترتيب العام، ويعلب الآن موسمه الثاني بذات القميص، لكن تحت كاميرات البث المباشر لدوري المحترفين، ويقدم اداء مهاريا وتهديفيا قل نظيره، إذ يقبض على صدارة الهدافين في فريقه، ويحتل وصافة الترتيب ضمن قائمة هدافي الدوري. 

وبالعودة إلى زقاق حارة السعدية، فإن موهبة الدباغ التي كانت بدايتها من الحراسة لم تكتفِ بملعب الطباشير ومرمى الحجارة، فقرر الانتقال للعب في الملعب المخصص لنادي أبناء القدس، الذي يقع على مقربة من حارته الأم، وظل مع الأبناء لفترة وجيزة، قبل ان ينتقل إلى نادي شباب الرام، ليصعد منه إلى أروقة الهلال المقدسي ويشغل مكانه في الدفاع. 

 

دباغ بألوان المنتخب 

"كرة القدم هوايتي منذ الطفولة، وهي اللعبة الأكثر متعة بالنسبة لي، ولذا قررت أن أكون معشوقها"، كان ينطق كل حرف بهدوء وخجل، هدوء الواثق من نفسه، وخجل المتحدث للإعلام، وفي الوقت عينه، نقلت هذه الكلمات السبب المباشر الذي وقف وراء تفجر موهبته وجعلها تحظى باهتمام الجاهزين الإداري والفني للمنتخب، ليتم اختياره لتمثيل فلسطين في المستطيل الأخضر في كافة المسابقات التي شارك بها المنتخب تحت 19 عاما. 

وعلى بعد خطوة من مشاركته مع المنتخب الوطني، كانت تجربته مع المنتخب الشباب حافلة بالدروس والتجارب الثرية كما قال الدباغ، وأضاف: "أتاحت مشاركتي مع المنتخب الفرصة لي لإضافة وتعلم كيفية التمركز في الملعب، وفهم كل المراكز الاخرى والتدرب عليها، وبالتالي ساهمت في تطوير العديد من الجوانب في مسيرتي، لا سيما الميزة التي تضيفها المشاركة مع المنتخب من سفر واحتكاك بالفرق والمنتخبات الخارجية، ما يؤدي إلى تطوير المستوى لأي لاعب". 

في تلك المرحلة وما سبقها لم تكن يد العطف من أهله تمنع عنه أي مساعدة أو دعم، فبابتسامته التي عبرت من قلبه والتصقت على طاولة الحوار أمامنا، وجه رسالة شكره في البداية إلى عائلته. "أمي وأبي قدما لي التشجيع وسبل الراحة، وساهما في زيادة ثقتي بنفسي" قال الدباغ. وكان بمرافقته صديقين له احتضنهما بنظرة دافئة وقال: "اصدقائي كذلك، دائما ما اجدهم إلى جانبي، يحضرون إلى الملاعب لمشاهدتي وتشجيعي، ما يولد لدي الدافع حتى أرد لهم الجميل وألعب لأجلهم". 

عدي الدباغ اليوم ركيزة تهديفية في هلال القدس، رغم مشاركاته بدقائق متواضعة وكونه البديل الهداف، فإن وصوله للمشاركة الرسمية مع الفريق الاول في هلال العاصمة كان بحد ذاته انجازا وهو بهذا العمر، فخلف ذلك تقف أيدي المدربين التي وجهت مسار موهبته بما يحقق له مواصلة النجاح، ومن اولئك المدربين الذين خصهم بالشكر، مدرب منتخب الشباب أيمن صندوقة، والمدب أمجد طه، إلى جانب المدرب الحالي لهلال القدس خضر عبيد. "هؤلاء كانوا سندا لي في مسيرتي الكروية" قال عدي.  

 

خلي "الفطبول" ينفعك! 

مسيرة الدباغ لم تخلُ من المعيقات، إذ واجه في مرحلة الثانوية العامة بعض المتاعب التي حالت بين أقدامه وكرة القدم، فقد تخلى عن التدريبات والمباريات مع هلال القدس، أثناء عبوره اختبارات الثانوية العامة: "في التوجيهي تصل بك الطريق إلى مرحلة تتوقف فيها عن لعب الفطبول وتصب كل اهتمامك تجاه دراستك".

ويذكر في أحد المواقف أثناء الثانوية العامة انه تقدم بطلب إلى مدير مدرسته بعد عودته من المنتخب، للتحويل من العلمي إلى الادبي، نظرا لفترته غيابه عن الحصص الصفية، ولكن طلبه هذا لم يلقَ التوقيع الايجابي من قبل  المدير، وقال له: "خلي الفطبول ينفعك" على حد قول الدباغ، واتم دراسته وتمكن من الالتحاق بجامعة بيرزيت بتخصص الرياضة، الذي "يتناسب مع هوايته وينميها" حسبما أضاف. 

وختاما لمقابلتنا مع هذا النجم، تمنى أن يحسم هلال العاصمة في هذا الموسم لقب دوري المحترفين، ويضيف إلى جواره حقيبة كأس فلسطين، مؤكدا على مواصلته اللعب تحت ضوء الهلال، لما قدمه هذا النادي من دعم مادي ومعنوي لعدي، مضيفا: "وصلت إلى هذا المستوى لوقوف النادي إلى جانبي، وقد كنت "الفتى المدلل" بينهم، ولذا لا أفكر بمغادرة الفريق"، مشيرا في الوقت ذاته إلى امكانية خوض تجربة جديدة حالما يصله عرض خارجي فقط.

 

*طالب في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018