من هو الكاتب الحقيقي لقصيدة "من سجن عكا"؟

 

"من سجن عكا طلعت جنازة" قصيدة كتبت في العام 1930، وذاع صيتها بين العامة الذين حفظوها وتناقلوها لشاعر شعبي كفيف اسمه عبد الرحمن محمد حمدان البرغوثي الملقب بـ"الخطابي"، وانتشرت بشكل واسع جدا حين غنتها فرقة العاشقين في مطلع ثمانينيات القرن الماضي. واجتهد بعض المجتهدين فنسبوها للشاعر الشهيد نوح إبراهيم، ولم ينسبها أحد لنوح إبراهيم إلا بعد أن غنتها فرقة العاشقين، علما أن من جمعوا تراث نوح إبراهيم لم يجدوا بين قصائده هذه القصيدة.

كانت جداتي وأغلب جدات كوبر أو حارتنا على الأقل، يحفظن الأغنية عن ظهر قلب، كون قائلها شاعرا له قيمته في القرية وأصبح فيما بعد إماماً لمسجدها طيلة ثلاثة عقود، وله الكثير من القصائد والأزجال في الوطنيات والغزل والرثاء وغير ذلك من المواضيع. 

ربطتني بالشاعر علاقة جوار، فقد كان كل ثلاثاء أو أربعاء من كل أسبوع يستعين بشخص ممن يتقنون القراءة في الحارة حتى يسمّعوا له خطبة الجمعة، ويسمّعوا له السور القرآنية التي يحفظها غيبا في شهر رمضان. وأريد لي أن أكون هذا الشخص حين أصبحت في الصف السادس وما بعده أتقن القراءة. وكانت تطول الجلسات والحديث عن الشعر، وأصبحت فيما بعد أقرأ له بعضا من أشعاري، فإذا صادف أن كان هناك كسر ما في شطر أو جملة، يقول: "هذي الكلمة خزقت ذاني" فأصححها. 

وفور تخرجي من دراسة الصحافة في العام 1984، قررت أن أجري لقاء مع هذا الشاعر المظلوم وأسلط الضوء على أشعاره، فكتبت عنه ما نشر في صحيفة الميثاق اليومية المقدسية تحت عنوان "عبد الرحمن الخطابي شاعر حالت الظروف دون شهرته ولم تحل دون شاعريته"، وبعد ذلك نشر نفس الموضوع بتاريخ 20/11/1987 في صحيفة "الراية" التي تصدر في الناصرة ثم أعادت صحيفة الصدى الأسبوعية المقدسية نشره بتاريخ 28/2/1992، وجاء في مستهل ما نشرته الصدى: في شهر نيسان تأتي الذكرى السنوية لوفاة الشاعر عبد الرحمن الخطابي شاعر "من سجن عكا طلعت جنازة".

كان دافعي الإحساس بأن هذا الشاعر ظلمته الحياة بأن فقد بصره منذ الرضاعة، أو ربما اكتشف فقده للبصر وهو رضيع، وبأنه تيتم طفلا، ولد تقريبا في العام 1910 والتحق بمكاتب المعارف لحفظ القرآن والدين. وفي العام 1924 التحق بمدرسة في القدس وفصل منها في العام 1926 بسبب عمره في دار الأيتام، وإذا لم تخني الذاكرة، فبسبب قصيدة نقدية لمدير المدرسة. بعد ذلك ظل شاعرنا يتنقل بين دير غسانة مسقط رأسه وكوبر حيث أقاربه حتى سنة 1956 قبل أن يستقر به المقام في كوبر، إذ عين إماماً لمسجدها وتزوج منها وأمضى حياته فيها.

لا يتسع هنا المجال لنشر المقابلة كلها كون الأمر يتعلق بالقصيدة سالفة الذكر ولا لتسليط الضوء على بقية قصائده وأزجاله، وكون "الحال" نشرت في عددها السابق موضوعا للزميل عماد الأصفر يتعلق بالشاعر الشهيد نوح إبراهيم ونسب الكاتب القصيدة له، فإنني رأيت من الواجب أن أدلي بدلوي لتصحيح هذه المعلومة، ليس لأني أفضل الخطابي على نوح إبراهيم، فليس هناك من هو أفضل من الشهداء، ولكن لأن لدي معلومات أعتقد أنها الحقيقة التي أبني حجتي أو محاججتي عليها وهي كالتالي:

نظم الخطابي قصيدته على الأحرف الهجائية كما ذكر لي في المقابلة وزودني بالقصيدة مكتوبة بخط أبنائه، كل حرف له مقطع بشكل متسلسل من الأف إلى الياء، وسأنشر القصيدة أو مقاطع منها، وهي ليست القصيدة الوحيدة له التي تكتب بهذه الطريقة.

من ناحية ثانية، فقد حدثني الخطابي أنه حين نظمها ذهب إلى الإذاعة لإذاعتها وحصلت مشادة كلامية مع يحيى اللبابيدي مدير الفرقة الموسيقية، بحضور إبراهيم طوقان مدير الإذاعة، كون القصيدة ضد البريطانيين ومن الصعب إذاعتها خشية أن تؤدي إلى معاقبة القائمين علي الإذاعة.

أما حجتي الثالثة فهي أن الشهيد نوح إبراهيم استشهد في العام 1938 وكان في الخامسة والعشرين من عمره فيما كتبت القصيدة في العام 1938 فهل يعقل أنها من نظم طفل في الثالثة عشرة من عمره، وإذا كان هذا معقولا حيث يحاجج البعض أنه كتب الشعر منذ طفولته، فهل من المعقول أن تكون قصيدة كتبها في الثالثة عشرة أقوى وأكثر تماسكا من ناحية المعنى والمبنى من قصائد كتبها الشهيد بعدها؟

أما حجتي الرابعة وليست الأخيرة فهي أن القصيدة ذات نمط مختلف تماماً من حيث بنيته الشعرية ومفرداته ووزنه ولحنه عن أسلوب نوح إبراهيم، إذ قرأت كل أشعاره المنشورة، التي جمعها الباحث النصراوي خالد عوض في كتابه "نوح إبراهيم شاعر وشهيد ثورة 1936"، الصادر في الناصرة عام 1990. وبالعودة إلى قائمة مراجعه ومصادره فهي من مؤرخين وباحثين ومعاصرين ومقابلات مجايلين للشاعر وللثورة مثل: إميل توما، وأكرم زعيتر، وعبد الكريم الكرمي، وبيان الحوت، وغيرهم الكثير، ولم يشر أي منهم للقصيدة موضوع الجدل لا من قريب ولا من بعيد. كل ذلك إضافة إلى قراءتي لأشعار الخطابي الموجودة في المخطوطة بخط أبنائه، ناهيكم عن القصائد التي يحفظها عنه الناس في محيطه وهم من مجايليه وجيرانه ومريديه، ومنها "من سجن عكا"، وها هو النص الكامل للقصيدة:

 

أ: أمي الحزينة بالصوت تنادي.. ضاقت عليها كل البلاد

نادوا فؤادي مهجة فؤادي.. يوم الثلاثا بيعلقونا

ب: باب المحاكم صاحت يا ابني.. بدعي ع الحاكم هلي معذبني

والحاكم ظالم ما هو معجبني.. وإعدام الشباب ما هو قانونا

ت: تنده يا عطا من ورا الباب.. قعدت تستنظر منو الجواب

 جابوا المشانق جابوا الشباب.. ما عدتوا يما عاد تشوفونا 

ث: ثلاثة ماتوا موت الأسود.. جودي عليهم بالدمع جودي

لا تشمت فيهم ولك يهودي.. رح ييجي يومك ولك صهيونا

ج: جابوا المرجيحة جابوا الحبال..  وين المرجيحة قالوا الأبطال

هذي المرجيحة شرفنا الغالي.. يا أهل صفد لا تجزعونا

ح: حبسك يا عكا ما بدنا نشوفو.. هاتوا لمحمد حِنَا لكفوفو

والجلاد واقف بيهز سيوفو.. قاموا الثلاثة يتسابقونا

خ: خيي يا يوسف وصاتك أمي.. إوعي يا أمي بعدي تهتمي

لأجل هالوطن ضحيت بدمي.. كلو لعيونك يا فلسطينا

د: دافع يا كاظم عن الأوطان.. واثبت يا موسى مثل الشجعان

الوطن برفض أي خيانة.. الله يلعنهم اللي يخونونا* 

ذ: ذمتنا العدى من خيانتنا.. بيع الأراضي يفني أمتنا

هيا نتوحد يا جماعتنا.. ونربي الخاين في فلسطينا

ر: رئيس المجلس إحنا رجالك.. في نادي الأمم ورينا افعالك

حافظ عالوطن أحسن وابقالك.. ليقولوا خانوا الحسينيونا

ز: زوروا المقابر يوم الأعياد.. وامشوا لعكا شوفوا الأمجاد

أهل الشجاعة عطا وفؤاد.. ما يهابوا الردى ولا المنونا

س: سجن الحكومة ما عدنا نهابو.. بالحرب الطاحن دقينا ابوابو 

هذا وطنا واحنا أصحابو.. هيا يا غرب قوموا ارحلونا

ش: شافوا المهالك في معركتنا.. ما كانوا يظنوا هذي قوتنا

أظهرنا جزء من شجاعتنا.. وخلينا الباقي لغير اليوما

ص: صارت علينا جملة مصايب.. جروا علينا جيوش وكتائب

بالعزم الثابت نزلنا نحارب.. صاوبنا العدى ولا صدونا

ض: ضموا الصليب إلى الهلال.. وامشوا يا عرب مثل الأبطال 

هيا لنحظى بالاستقلال.. ونحيا جميعا في فلسطينا

ط: طلبنا العفو ما سمعوا منا.. للشهر العاشر واحنا نستنى

بعثنا الوفد تيدافع عنا.. خابت آمالو ورجع مغبونا

ظ: ظبوا المدافع ظبوا الدبابة.. إحنا ما بنخشى ولا بنهابِ

ولا اهتمينا بلمع الحرابِ.. لو نشرب منها كاس المنونا

ع: عمدنا الأرض بالدم الأحمر.. وسلاح الثائر في إيدو يزأر

ويومٍ لقيتنا جموع العسكر.. ضربنا العدا ولا صدونا

غ: غاروا علينا ولا مدافعهم.. ما خوفتنا ورحنا نهاجمهم

الواحد منَا بالمية منهم.. فؤاد حجازي منور الكونا

ف: فَلسطين نادت يا ابن الخطابِ.. ويا بو عبيدة شوفوا مصابي

عطا ومحمد أسود الغابة.. خاضوا المعارك ولا اهتمونا

ق: قالت فلسطين أنا المنكوبة.. وينك صلاح الدين الأيوبي

أصبحنا بيد العدا ألعوبة.. مثل ما بدهم يتلاعبونا

ك: كثر المظالم أدى انفجارا.. وبعد الليالي بيطلع نهارا

ولازم الثورة تنشب هدارة.. إذا ما تغير هذا القانونا

ل: ليالي مرت كلها ظلامي.. وطير المنايا في السما حامِ

قرر قرارو المندوب السامي.. شباب العرب يتعلقونا

م: من سجن عكا طلعت جنازة.. محمد جمجوم وفؤاد حجازي

جازي عليهم يا ربي جازي.. المندوب السامي وربعو عموما

 ن: نادى المنادي يا ناس إضرابِ.. يوم الثلاثا شنق الشبابِ

باتت الأمة بحال اضطراب.. والقدس أضحت تبكي محزونا

هـ: هم الثلاثة هم البواسل.. نزلوا ع العدا مثل الزلازل

سجل يا مسجل لا تسجل باطل.. سجل حقيقة لليقرأونا

و: واليهود قالت نلنا أربنا.. ما ظن العرب عادت تغلبنا 

هذي الحكومة لبت طلبنا.. عانينا وعدنا لفلسطينا 

ي: يوم الثلاثا يا عطا الزير.. انظر المقدر والتقادير

للساعة تسعة في الجنازير.. وبعدو بنتعلق لا تجزعونا

 

  • تم تحوير هذا البيت بتصرف من الكاتبة لتلافي حساسية معينة

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018