مدرب وعارض السيرك محمد أبو سخا يقع في شباك الاعتقال الإداري

 

لم يكن مدرب وعارض السيرك محمد أبو سخا يعتقد أن مروره عبر حاجز زعترة جنوب مدينة نابلس نهاية العام 2015 متوجها إلى عمله في بيرزيت شمال رام الله؛ سيوقعه في شباك الاعتقال الإداري لمدة زادت عن سنة، دون أن يبدو النور في نهاية النفق حتى هذه اللحظة.

في عصر ذلك اليوم، أوقف جنود الاحتلال المركبة العمومية التي كان يستقلها أبو سخا، وبعد التدقيق في هويات ركابها طلبوا منه النزول، ثم شرعوا بتفتيشه وأبقوه في العراء والبرد القارس أكثر من ثلاث ساعات، قبل نقله معصوب العينين مقيد اليدين إلى معسكر حوارة، وهناك بقي 7 أيام تم خلالها تحويله إلى الاعتقال الإداري.

فيصل أبو سخا تحدث لـ"الحال" عن بداية ظهور موهبة ابنه فقال: "بدأ محمد مشواره مع السيرك عندما كان لاعب جمباز في نادي جنين الرياضي، ولم يكن عمره آنذاك يتجاوز الـ15 عاماً، ثم انتقل عام 2007 إلى مدرسة سيرك فلسطين وبدأ كطالب فيها، قبل أن يصبح بعد 4 أعوام مدرباً وعارضاً".

ويكمل: "قدّم محمد عدة عروض فنية في مختلف محافظات الضفة الغربية، وشارك في دورات تدريبية مختلفة في فرنسا وألمانيا وبلجيكا، وكان من المقرر أن يشارك في تدريبات أخرى في آذار وحزيران من العام الماضي، غير أن الاعتقال حرمه من ذلك".

 

المهرج.. محبوب الأطفال

وعن الحركات والعروض التي يتقنها ويقدمها، أشار والده إلى أن محمد (25 عاماً) يتقن الكثير من الحركات البهلوانية كالقفز في الهواء والمشي على الحبال وقذف الكرات في الهواء، بالإضافة لتقديمه عروضاً مسرحية أخرى، وإتقانه دور "المهرج"، حتى صار محبوباً عند الأطفال.

شادي زمرد مدير مدرسة سيرك فلسطين وأحد مؤسسيها، تحدث من جانبه، فقال: "منذ أكثر من عامين، بدأ محمد بتدريب 30 طفلاً وفتى من ذوي الإعاقات العقلية والجسدية، في خطوة إنسانية تهدف لدمج وتأهيل هذه الفئة المهمشة في المجتمع، حيث كان طموحه الدائم أن يجعل من هؤلاء الأشخاص العاجزين عارضي سيرك محترفين".

وذكر زمرد خلال حديثه لـ"الحال" أن محمد حقق في هذا الإطار نجاحات كبيرة؛ فالطفل محمد البرغوثي (11 عاماً)، استطاع بفضل التدريبات المشي أكثر من 8 خطوات دون استخدام جهاز "الوكر"، حيث يعاني من إعاقة حركية منذ ولادته، ويضيف: "يسجل لمحمد أنه حوّل السيرك لوسيلة علاجية جسدية ونفسية".

وأشار مدير المدرسة التي تضم أكثر من 300 طالب وطالبة، إلى أن الأطفال المعاقين تعلقوا بمحمد بشكل كبير لشخصيته المرحة وعروضه الكوميدية التي يقدمها وصبره عليهم، وهم يسألون عنه باستمرار ويتمنون الإفراج عنه في أقرب وقت، مضيفًا: "محمد لديه قدرة سحرية على رسم الابتسامة على وجوه الأطفال، أعتقد أن هذا هو سر حبهم له". 

ولفت زمرد إلى أن غياب أبو سخا ترك فراغاً في العروض التي كان يقدمها خاصة لشريحة الأطفال والمعاقين، وهو ما دفع المدرسة لتقديم عروض بديلة. 

 

تضامن دولي

وعن الفعاليات التضامنية التي أطلقتها المدرسة مع أبو سخا، أوضح زمرد أن هذه النشاطات بدأت منذ اليوم لاعتقاله، حيث شملت حملة تضامنية واسعة من مدارس السيرك العربية والأجنبية وصلت حتى البرازيل وكندا والدنمارك وايطاليا وبريطانيا، بالإضافة إلى وقفات احتجاجية أمام سفارات دولة الاحتلال، وإرسال عدة برقيات للحكومات الأجنبية تطالبها بقطع علاقتها مع دولة الاحتلال.

وتابع: "في يوم محكمة محمد الأولى، حضر الجلسة ممثلون عن مكتب الاتحاد الأوروبي والقنصلية البلجيكية ومكتب الممثلية السويسرية لدى السلطة الفلسطينية ووكالة التعاون الإسبانية ومنظمة العفو الدولية ومؤسسة أخرى إيطالية ومندوبون من حركة التضامن الدولية".

وتطرق زمرد إلى آخر هذه النشاطات التي شملت تصميم قمصان مكتوب عليها باللغة الانجليزية "الحرية لأبو سخا"، حيث من المقرر أن يرتديها خلال عروضهم وعملهم فنانون عالميون ومغنون وراقصون ولاعبو سيرك وحتى أطباء. 

 

واحد من بين 700 معتقل إداري

ويعد أبو سخا واحداً من بين 700 معتقل إداري تحتجزهم دولة الاحتلال في سجونها دون توجيه تهم محددة بحقهم، ويكتفي القاضي بالاطلاع على ملف سري تقدمه النيابة العسكرية الإسرائيلية لتبرير تمديد اعتقالهم كل مرة، ويمنع محامي الدفاع من الاطلاع عليه، وغالباً ما يكون هذا الملف خلاصة استنتاجات أو تكهنات يرفعها جهاز المخابرات الإسرائيلية.

من ناحيته، أكد محامي مؤسسة الضمير محمود حسان لـ"الحال" أن سلطات الاحتلال تدعي أن أبو سخا نفذ عدة نشاطات في إطار تنظيم محظور "في إشارة للجبهة الشعبية"، وتستند على اعتراف واحد "ضعيف" أدلى به أحد الأسرى، مشيراً إلى انه جرى تمديد اعتقاله قبل عدة أيام لمدة ستة شهور وذلك للمرة الثالثة منذ اعتقاله.

وشدد حسان على أن أبو سخا تعرض للاستجواب فور اعتقاله ولم يثبت بحقه ارتكاب أية "مخالفة"، مشيراً إلى عدم وجود أي مواد جديدة في ملفه، وهو ما يعني ترجيح التوجه للمحكمة العليا الإسرائيلية لانتزاع قرار بالإفراج عنه.

أما والدته التي تمكنت من زيارة ابنها مرة واحدة في سجن مجدو، فأكدت أن محمد يواصل داخل السجن تدريب الأسرى الأطفال خاصة المعاقين منهم الذين أصيبوا برصاص الاحتلال، وتابعت: "يحرص محمد حتى رغم اعتقاله على أن يكمل دوره بالتخفيف عن الأطفال من خلال العروض التي يقدمها، كما يسعى لتحويل السجن لسيرك صغير أو مخيم صيفي"، على حد وصفها.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018