غزة: سخط شعبي واعتراض حقوقي على شروط حماس للسفر

ما إن يفيق سكان قطاع غزة من صدمة تكون قد خلَّفتها أزمة ما، كأزمة الكهرباء مثلاً، حتى يعودوا ليدخلوا في أزمة أخرى جديدة، ربما تكون أكثر وطأة وأشد وقعاً عليهم من ذي قبل.

ففي الأسبوعين الآخرين، سارعت حكومة "حركة حماس"، إلى إصدار القرارات التي يرى فيها مختصون اقتصاديون ومواطنون أَثقلت كاهلهم الهموم، أنها تهدف إلى جباية الأموال من المواطنين الأكثر فقراً والأقل حظاً في إيجاد فرص عمل، مثل قرار منع سفرهم عبر معبر بيت حانون "إيرز" الحدودي، دون حصولهم على تسوية الذمم المالية المستحقة للوزارات والبلديات وشركة الكهرباء، وإحضار شهادة خلو طرف من وزارتي الاقتصاد الوطني والمالية، وكذلك آخر فاتورة من البلدية التابع لها المواطن مُسددة فيها قيمة المياه، وآخر فاتورة كهرباء مُسددة، وذلك قبل مغادرته القطاع. 

ونتيجة لهذه القرارات، عمت موجة من السخط والاحتجاجات، عبَّرت عنها مؤسسات حكومية وسكان القطاع كل بطريقته الخاصة، فمنهم من عبَّر من خلال نشره لمقاطع الفيديو القصيرة، وآخرون بالتغريدات على صفحات التواصل الاجتماعي، ومنهم من تحدث بشكل علني في المجالس والدواوين، وآخرون بين ركاب السيارات العمومية وغيرها.

ويحتاج المواطن إلى أسبوع إن لم يكن أكثر من ذلك للحصول على كل هذه الأوراق، ناهيك عن حاجتهم للحصول على طوابع "دمغات"، الأمر الذي سيكلفهم نفقات لم تكن في الحسبان.

 

جباية وديون

المواطن تشرين ياغي (42 عاماً)، اعتبر ما طلبته الحكومة في غزة من الحصول براءة ذمة، عبارة عن جباية فقط، معبراً عن سخطه الشديد من إثقال كاهل المواطن الغلبان بكل هذه الطلبات دون توفير أدنى مقومات الحياة، مطالباً بإلغاء القرار وتوفير كل ما يُسهل على المواطنين لا أن يُعسر عليهم.

من جهته، قال المواطن فايز العمري: يجب ألا يشمل هذا القرار كافة المواطنين الراغبين بالسفر، وإنما التجار ورجال الأعمال المقتدرين الذين لم تتضرر مصالحهم، وذلك دون استثناء، أي دون النظر لانتمائه الحزبي.

وأضاف: "من أين يمكن لمواطن لا يجد قوت يومه وأطفاله أن يدفع ما عليه من مستحقات متراكمة طوال هذه السنوات، ولماذا صبرت الحكومة كل هذه المدة حتى تطالبه اليوم بدفعها؟، المطلوب توفير فرص عمل لهم ومن ثم مطالبتهم بدفع ما عليهم".      

 

رواتب الموظفين

بدوره، أكد الدكتور سمير أبو مدلله عميد كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية في جامعة الأزهر بغزة، أن ما تقوم به حكومة حماس في غزة من إجراءات خلال هذه الفترة هدفه زيادة حجم الجباية للحصول على أكبر قدر من الأموال لسد الأزمة المالية التي تعاني منها في دفع رواتب موظفيها.

وذكر أبو مدلله أن هذا القرار في بدايته كان يشمل كافة المواطنين الراغبين بالسفر، ولكن حين أصبح هناك استنكار وتذمر شديدان من قبل كافة فئات المجتمع وخاصة المؤسسات الحكومية والقطاعات الاقتصادية، اقتصر الأمر على التجار ورجال الأعمال الراغبين بالسفر سواء كان إلى دول خارجية أو زيارة الضفة الغربية أو الأراضي المحتلة عام 48، وهذا بحد ذاته سيشكل عبئا اقتصاديا إضافيا على بعض التجار خاصة الصغار منهم الذين تعرضت منشآتهم الاقتصادية لعدوانات متكررة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وتم تدميرها وتوقف العمل فيها، في حين لم تتوقف وزارتا المالية والاقتصاد عن احتساب الضريبة عليهم طوال هذه المدة.

وأضاف "أعتقد أن حكومة حماس لن تتراجع عن قرارها هذا، بل ستستمر في طلب براءة الذمة منهم حسب ما هو مسجل لديها وليس حسب ما هو موجود على أرض الواقع، ناهيك عن فرض أذونات استيراد على باقي التجار الذين ما زالوا قيد العمل كفرض رسوم على كافة السلع التي يتم استيرادها، بالرغم من دفعهم ما عليهم من ضرائب للجانب الإسرائيلي الذي يدخل في إطار المقاصة.

 

رأي قانوني

الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" في غزة، عبرت عن قلقها من قرار فرض قيود على السفر من قطاع غزة، واعتبرته مخالفاً للقانون، ومساساً خطيراً بالحق في حرية التنقل والسفر، الذي لا يجوز فرض أي قيود عليه إلا بأمر قضائي.

وأكدت أنها ترى أن هذا القرار ينطوي على مساسٍ بالحق في التنقل والسفر الذي يكفله الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ويخالف المادة (11) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003، التي تنص على أن الحرية الشخصية حق طبيعي، ومكفولة  بالقانون، ولا يجوز تقييد حرية المواطن بأي قيد، أو منعه من التنقل إلا بأمر قضائي، كما أنه يخالف المادة (277) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية رقم (2) لسنة 2001، التي تستوجب صدور أمر قضائي للمنع من السفر.

وطالبت الهيئة المستقلة حكومة حماس بالتراجع عن هذا القرار وبالتوقف عن إصدار أي قرارات، أو اتخاذ أي إجراءات مستقبلية تمس الحق في التنقل والسفر، والعمل على اتخاذ التدابير كافة لحماية هذا الحق الذي يحظى بحماية دستورية، ولا يجوز أن تُفرض عليه أي قيود إلا وفقاً لأحكام القانون.

بدورها، ورداً على الاتهامات الموجهة لها من حقوقيين ومواطنين بعدم قانونية هذا القرار، قال الناطق باسم وزارة داخلية حكومة حماس بغزة إياد البزم "نحن نعاني من أزمة شديدة في الأمور الخدماتية، والجميع يعلم أزمة الكهرباء، وبالتالي لا بد أن تقوم الفئات المقتدرة بتسديد الفواتير المستحقة عليها، هذا حق طبيعي".

وأضاف: "ما حدث هو إرسال تعميم يسري على التجار ورجال الأعمال فقط، بأن يقوموا بتسوية المستحقات المالية عليهم لشركتي الكهرباء والمياه".

وتابع البزم: "من غير المعقول أن يكونوا رجال أعمال وتجاراً مقتدرين ولا يسددون فواتيرهم"، مشيراً إلى أن التعميم يمنح التجار فترة مؤقتة لتسوية أمورهم ثم بعد ذلك ستصدر الجهات المختصة قراراً بتفعيل التعميم والعمل به.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018