عائلات المساجين الغزيين: "رضينا بالبين والبين ما رضي فينا"

 

بين الفينة والأخرى، يقف ليلتقط أنفاسه، من ثم تتابع عيناه بدقة آخر سيارة تأتي للمكان، فيسرع إليها كي يعرض بضاعته المتواضعة على قائد السيارة وركابها، والتي جمعها في صندوق صغير من الكرتون ولملم معها انتظار أمه وبكاء إخوته الجياع، والخيارات المطروحة أمام تجارته المبهمة: إما أن يشتري منه سائقها وركابها أو يقابل بالتأفف والطرد.

محمود ابن التسعة أعوام هو الابن البكر لعائلته، وقد كتب القدر عليه تحمل مسؤوليات جمة رغم صغر سنه، نتيجة قيام والده ببيع وتعاطي "الترامادول" المخدر، المتعارف عليه بـ"الأترمال" في غزة. 

يقول محمود: "بعد أن حكمت المحكمة بسجن والدي عامين، بقينا عدة أسابيع دون أن نشتري طعاماً وكانت جدتي تقدم لنا الوجبات من حين إلى آخر حسب مقدرتها، فأشرت على أمي أن تشتري لي علبة من البسكويت، بالإضافة إلى المحارم الورقية كي أبيعها بعد الدوام المدرسي، وفي نهاية اليوم اجمع ربحي منها، أحيانا 10 شواكل وأحياناً أخرى يقدم الركاب نقودا لي دون أن يشتروا".

يتابع محمود: "في الفترة الأولى من سجن والدي انتقلنا للسكن في بيت جدي حسب طلبه، كي يهتم بنا أكثر ولكني لم أشعر بالراحة هناك، لأن خالي كان يضربني دوماً إن أردت أن ألعب أو أن أخرج إلى الشارع حيث كان ينعتني دوماً بابن "الترملجي"، وأني سأصبح مثل أبي عندما أكبر، أصبحت أهرب إلى بيت جدتي حتى بقيت عندها ومن ثم تبعتني أمي وإخوتي، أخوالي لا يعلمون أنني حسن الخلق والسلوك، لا أعرف لماذا يعاملونني كأني من تعاطيت المخدرات".

أما الشابة الثلاثينية (ع.ح) فلها من الفاجعة نصيب أكبر، حيث تقول: "بعد تعرف الشرطة على زوجي واعترافه بارتكاب جريمة قتل شنيعة بحق مسنة، هربت إلى بيت أهلي خوفاً من قيام ذوي المغدورة بالاقتصاص مني ومن أطفالي، لكن الله رحيم بنا، وبعد الحكم عليه بالإعدام (لم ينفذ بعد)، انتقلت أنا وأطفالي إلى بيت بالإيجار بالكاد نستطيع أن ندفع إيجاره عن طريق الشؤون الاجتماعية، ويعمل أولادي في السوق، بحمل حاجيات المتسوقين إلى الأماكن التي يريدها الزبائن".

تتابع: "نتيجة للسمعة السيئة التي جلبها زوجي لنا، فلا أحد من الجيران يدق باب بيتي خوفاً على أرواحهم وكأني وأطفالي نترصد لقتلهم، وعند خروجي من المنزل في بعض الأحيان استمع إليهم يتهامسون ويعرفون عني أنها زوجة فلان القاتل ويبدأون بالسب والشتم".

تحدثت الأخصائية النفسية لمعان أبو حجير لـ"الحال" عن غياب الأب عن الأسرة وخاصة إن كان مسجوناً، بالقول: "هذه قضية كبيرة وتصاحبها مشكلة أكبر تنعكس على نفسية الأبناء بالإضافة إلى ضغوط نفسية تصل إلى مرحلة الاكتئاب والفراغ العاطفي والإحساس بالعار نتيجة سجن الأب أو الزوج، ويزداد هذا الإحساس كلما كانت الجريمة تمس الشرف والأخلاق والوطن أكثر، فيأتي اللوم من الأهل والجيران والمحيط بل المجتمع."

أما بالنسبة لذوي المسجون، فهناك نصائح طرحتها أبو حجير حول الاستمرارية في ممارسة حياتهم الطبيعية والابتعاد عن نقمات المجتمع لهم، تقول: "يجب ألا يستسلم ذوو المساجين لضغوط الحياة، وأن يعلموا أن ابن المجرم ليس مجرما، ويجب ألا يعاقبه المجتمع بجرم لم يرتكبه، فهذه هي الجريمة الأكبر، وليس أمامهم سوى الصبر والاحتساب عند الله، والاستمرار بالحياة".

وتكمل أبو حجير: على المجتمع أن يتعامل معهم معاملةً حسنة، فهم ليسوا مسؤولين عن هذه الجريمة، "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، وضربت مثالاً على ذلك قيام الكثير من الأهالي بتعطيل الزواج والعدول عن إتمامه، لأن والد الشاب كانت سمعته غير حسنة أو الفتاة كان أخوها أو أبوها أو أحد أفراد عائلتها قد ارتكب خطأً ما، الأمر الذي اعتبرته حكماً من المجتمع بالإعدام على الأبرياء دون ذنب ارتكبوه، ما يؤدي إلى تأخر الزواج والاكتئاب النفسي والخيبة، وقد يفتح المجال لجرائم أخرى.

وتضيف الأخصائية: "علينا أن نعمل على دمجهم بالمجتمع ومساندتهم ومشاركتهم بالحياة حتى نساعدهم في خدمة مجتمعهم بدل أن نساعدهم لأن يتحولوا مجرمين بسبب نظرة المجتمع".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018