صديقة.. سِرّ طوباس!

 

تحتفظ جدران منزل قديم في قلب طوباس بصورة امرأة تعتمر اليانس، وهو الزي التقليدي  الأبيض لأهالي المدينة الذي يحجب شعر الرأس، فيما يُكحل الوشم الأخضر أو (السيّال) وجه صديقة عبد الرحمن صوافطة، التي رحلت قبل 18 عامًا، ولا تفارق سيرتها الألسن حتى اليوم.

أبصرت صاحبة الصورة النور عام 1915، وعاشت نحو تسعة عقود، خاضت فيها صراعًا مع الاحتلال البريطاني، الذي كان يطارد القمح ويصادره لجنوده خلال سنوات القحط، وأطلقت أول جمعية خيرية في مدينتها، وارتبطت بصداقة متينة مع الشاعرة فدوى طوقان، وكانتا تتبادلان الزيارات، وعاشت مرارة النكبة والنكسة، ونظّمت جنازة رمزية ومسيرة حزن يوم غاب الزعيم جمال عبد الناصر عن المشهد، ورحلت عام 1999. 

 

رائدة وجمعية

يقول ابن أخيها عزت (80 عامًا): عرفت عمتي عن قرب، فقد رافقتها طويلاً، وسكنا معًا في العلية (بيت مرتفع يُصعد إليه بدرج)، وعاشت وهموم طوباس والوطن في قلبها، ولم تتعلم؛ لعدم وجود مدارس. وكانت تدير 700 دونم تزرعها بالقمح والبطيخ والخضار في أراضي الأغوار، وأسست روضة أطفال وجمعت حولها رحاب خضيري، ونوال العمري، وسكينة ضبابات، وسعدة مبسلط، وأخريات، ليشكلن أول جمعية خيرية.

ويضيف: حرصت عمتي على استضافة المربيات، فكانت تدعوهن للغداء، وتقدم لهن كل العون، وتشاركهن في حل مشاكل الطالبات، وأتذكر يوم زارتنا أول مديرة للمدرسة آمنة عبد الهادي، التي ساهمت في تأسيس مستشفى الاتحاد النسائي بنابلس، وليلى الكرد أول معلمة تصلنا من نابلس.

 

سلاح القمح

ووفق صوافطة، فإن عمته التي عملت مُسعفة متطوعة لأهالي المدينة، صاحبة باع طويل في مقارعة جنود الاحتلال البريطاني، حين كانوا يلاحقون الحنطة، فتهرّب بنفسها الأكياس إلى كهوف المدينة ومشارف الأغوار، وتوصل القمح إلى المحتاجين بعد حلول الظلام، وتخفيه عن الأعين. وحين كرر الجنود تفتيش منزلها تشاجرت معهم، فنقلوا اسمها إلى مسؤولهم الكبير، ليحضر حاكم اللواء الإنجليزي (دقليش) ومساعده إلى بيتها، ليقول إنها تتسبب بالشغب مع الجنود، والقمح ليس من حقها. فترد عليه بأن ما يتوفر لديها بالكاد يكفي إطعام أسرتها، فكل الجيران والحي هم أولادها وأهلها، وتخبره بأن والدها تحت التراب (رحل عام 1928)، وليس في المنزل غير أمها شفيقة، والأخوات صدقية ووجيه، فمنحها ورقة تأمر الجنود بعدم تفتيش بيتها مرة أخرى.

وبحسب ما يردده طوباسيون كثر، فإن الراحلة شجعت أهالي المدينة على تعليم البنات؛ كونها حرمت من ذلك. وكانت كثيرًا ما تذكرهم بأختهم وجيه، وكريمة يوسف، وحليمة محمود، اللواتي كن يجلسن في الصف نفسه مع التلاميذ، وهن بنات وجهاء المدينة، الأمر الذي سر مفتش التربية يوسف مختار، ودفع بالأهالي لاحقًا للسماح بتعليم الفتيات.

 

مئة رجل

فيما يروي سمير أبو دواس: كانت المرحومة أم طوباس كلها، وتتفوق على مئة رجل، وقاومت المحتل البريطاني، ودشنت العمل الخيري، وظلت أشهر من نار على علم. وفي  أيلول 1970، بدأت بالإعداد لجنازة رمزية للزعيم الراحل عبد الناصر، وطلبت مني أن أنشر الدعوة بين أصدقائي، وأن نحضر الشعارات، وجندت من طرفها النساء والرجال، ولا ينسى أهالي مدينتنا ما حدث حتى اليوم، فقد خرجنا ليومين في المسيرة، وحرصت على توفير الماء للمشاركين.

يتابع: يومها كنت في أول إجازتي الدراسية من جامعة بيروت العربية، وحملني الشبان على الأكتاف، وكنا نهتف شعارات حماسية تبكي الزعيم الذي خسره العرب، وتدعو لتحرير الأرض المحتلة، وفتح جبهات القتال، وكانت المرحومة صديقة تتقدم الصفوف، وتسير خلف النعش الرمزي، وتحمل الماء ومواد الإسعاف الأولي. وفي الأيام التالية، بدأ حاكم الاحتلال العسكري باستجواب الوجهاء، واستغرب من كون طوباس مدينة ناصرية، تهتم كثيراً برئيس مصري. 

ولا تسقط من ذاكرة أبو دواس كيف أن جدته المريضة خضرة الحامد أصرت على حمل جالون ماء حديدي (كانوا يسمونه جلن دبابة) لتغسيل صوافطة يوم رحيلها بماء زمزم، الذي كانت تحتفظ به، وسارت به مسافة طويلة، وهو على رأسها.

فيما تتوقف مها دراغمة رئيسة جمعية طوباس الخيرية، الإطار الذي كانت صديقة أولى مؤسساته، في أرشيف الجمعية، وتتبع وثائق عديدة تشير إلى حجم نشاط الراحلة، وتسمع كثيراً عن عطائها وتشجيعها للعمل الخيري، وتحترم نضالها لتعليم الفتيات.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018