حسن حظ أبطال روايات باولو كويلو

 

 

"الروتين والنمطية من الأمور القاتلة التي تقودنا للتفكير بالانتحار، كما السعي لإرضاء الآخرين، عدم إدراك فرديتنا وتميزنا في المجتمع، والتسليم والخضوع لما يفرضه، تقودنا للجنون الذي يستحيل الشفاء منه إلا بإدراك قيمة الحياة، والتي تتحقق بإدراكنا باقتراب المجهول "الموت". الموت يمكنه أن يقودنا للحياة، أو للامبالاة، فإدراك انتهاء الحياة لا يستدعي تعقلاً أو احتراماً لأحد".

أفكار فلسفية أدخلها على روايته، الكاتب البرازيلي باولو كويلو المولود في ريودي جانيرو عام 1947، وقد اتسمت رواياته بمعانٍ روحية تلامسنا كونها منا.

البطلة فتاة في الرابعة والعشرين، تقيم في لوبلانا- سلوفانيا، تملك كل متاع الحياة من جمال، وعائلة محبة، وعشاق وسيمين، ووظيفة مريحة، ولا تقدر ذلك، تقرر ببساطة وضع حد لهذه الحياة الروتينية الفارغة، بلا سبب ولكن لتكرار سؤال: ماذا بعد؟!، في عقلها، كأي عقل بشري طبيعي. لا أعلم إذا كان الكاتب قد عبر عن الملل بحدة أم بواقعية نسبية، ولكن هذا ما سيحصل.

فكرت في طرق لإنهاء حياتها، ونفت ما يشوه مظهرها ومظهر غرفتها، كجرح معصمها أو القفز عن مرتفع، قررت أخذ جرعة زائدة من الأقراص المهدئة، طريقة معقولة ولا تعبث بلوحة وجهها المرسومة بدقة.

بانتظار الموت، تصفحت مجلة، رأت مقالا بعنوان "أين تقع سلوفينيا؟"، ولا أحد يعلم، ما أثار استفزازها لترسل رسالة للمجلة، وكانت لهدفين، برأيي: لغضبها من جهلهم مكان بلدتها، ولتدعم فعل الانتحار بغضب كانت المقالة أثارته فيها.

لحسن حظنا كقراء لا نحب أن يقع بطل الرواية في مكروه، ولسوء حظ البطلة، فشلت خطتها، شعرت بدوخة أسقطتها أرضاً لتستيقظ على ضوء نفت كونه بالسماء، نظراً لعدم الحاجة له، وعلى أصوات أيقنت أنها أصوات بشر، ولكنها لم تدرك أنها إن لم تكن في السماء ستكون في مستشفى الأمراض العقلية المسمى "فيليت".

فسر باولو ما يفهمه المجتمع إذا ما رأى فعلا يناقض سلوكه الجماعي، فهو شائع أن نصف من يختلف عنا بالجنون، وباولو لم يعن فعل "الانتحار" فقط، بل كل فعل خارج إطار المجتمع، ولهذا ذكر أن كلاً منا مجنون بطريقته.

نعود لبؤس فيرونيكا، التي استيقظت في مكان لم تفكر فيه يوماً، مكان تفعل ما يحلو لك بلا مراقبة، ولا غرابة ولا انتظار تصديقهم لجنونك أو عدمه.

فلسفة، اعتبرتها عبثاً منه لنا للتفكر بحياتنا، والكف عن التعلق والغوص بكل عقبة تواجهنا، والتي تميتنا وتكرهنا بالحياة، يحاول باولو القول إننا لا ندرك الحياة إلا إذا أدركنا الموت، ويقولها بواسطة الدكتور "ايغور" مسؤول فيليت، الذي يخبر فيرونيكا أنها تعاني من تلف في القلب لن يبقها على قيد الحياة طويلاً، وهنا تكتشف أنها أغفلت نصف حياتها، كما يفعل غالبيتنا. إيغور خدعها بطريقة أنانية، وبالوقت ذاته لمصلحتها.

يقول الدكتور إن الجنون يحدث "عندما يخالف البشر قوانين الطبيعة"، وأرى أن إيغور صورة المجتمع نفسه، يخالف من يخالفه ويصفه بالجنون، ويسعى ليبعده عن العاقلين.

إحدى النزيلات تسأل فيرونيكا عن فعلها بصفع أحدهم عندما أهانها، ولماذا لم تحافظ على رباطة جأشها، تجيب ببساطة "كرامتي"، وعن أي كرامة تتحدث في فيليت؟!

برأيي هذا جواب استعان الكاتب به ليظهر صفة "التعقل" بخلاف باقي النزلاء، الذين حتماً لن يكترثوا لإهانة، ببساطة لأنهم لا يأبهون بما يقال، ولا يعلمون ماهيته في عالمهم.

تخاف فيرونيكا موتا يهاجمها فجأة، لسبب صحي بلا سابق إنذار، وبلا قدرتها على التحكم به، تريد إعادة النظر في حياتها، ومجاراة عالمها الجديد، الذي لا يستدعي تعقلاً، فكل لحظة خيار لها بين الحياة والموت، تريد إظهار ذاتها الحقيقية وعيش كل مشاعر كبتتها في ذات متعقلة مزيفة.

قالت ماري لفيرونيكا: "ابقي مجنونة، لكن تصرفي كالناس الطبيعيين.. تعلمي القيام بذلك من دون لفت الانتباه".

ما عنته الشخصية، أن لكل منا ذاتاً مزيفة وأخرى صادقة حقيقية، أولاهما التعقل، والأخرى الجنون، وعلينا الموازنة بينهما بلا لفت الانتباه، والأهم ألا ندوس على إحداهما من أجل المجتمع، والتصرف بهما حسب الموقف.

أثرت فيرونيكا على بعض الشخصيات عندما علموا باقتراب موتها، فكان لها نقاط تأثير في "زيديكا" التي تعاني الاكتئاب، شريكتها في الغرفة وأول علاقة لها في المكان.

زيديكا أعطت للجنون معنى وعلمته لفيرونيكا، هو أن كل من يعيش عالمه الخاص يكتسب الصفة، كالمضطربين عقلياً، الفصاميين، المهووسين، أي كل من يختلف عن المجتمع.

"ماري" محامية تعاني من الخوف المرضي لإصابتها بنوبات، و"إدوارد" الذي يعاني الفصام، والذي أحدثت فيرونيكا أثراً حاداً في قلبه حتى وقعا في الحب، فخرج من مرضه، هنا تتبلور قصة حب لتكون سبباً لعودته لواقعه، ودافعاً يعلقها بالحياة لعيشها بذاتها الحقيقية التي كبتتها ذاتها المزيفة.

يشكك الكاتب في الجنون، ليسيطر على عقلك ويريك أنه الجزء الخفي من شخصيتك الحقيقية، عند وحدتك، وواقعياً أنت تخشى إظهار هذا الجانب أمام الآخرين، لمعرفتك بأنه ليس مقبولاً كونه يخالف ما يفرضونه. يقنعك بأن كل إنسان مجنون، واختلافنا هو جنوننا.

قرأت الرواية نحو خمس مرات، لعلمي بأنني كل مرة أكتشف نواحي جديدة، والكثير منا فكر كفيرونيكا، وهذا ما أحببته في وجود رواية تتحدث عن الجانب الواقعي العقلي المخفي، بطريقة فلسفية مؤثرة، فهي لم تكن فقط تجربة حدثت مع الكاتب في الصغر، بل تفسير لتفكير يحوم في أدمغتنا كبشر.

أدركت أن طبيعتنا بسلوكنا الجنوني، تحوي سعادتنا الحقيقية، وإن حاولنا إخراجها أمام الجميع، لا في الخفاء، نصبح أكثر سعادة وعفوية، لهذا أعيش بتوازن كما تعلمت من باولو، أتصرف كما يستدعي الموقف، بعقلانية كانت أو جنون، بالخفاء أو العلانية، بلا اكتراث، فلن أنتظر من يكذب حول اقتراب موتي، أو دخولي لمستشفى لأدرك قيمة مشاعر مكبوتة وحياة استغفلتها.

إن أضعت مسار الحياة، عليك بتلك الرواية لتقودك.

 

  • طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018