الاحتلال يحاول إطفاء نور "شمس الحضارات"

 

على بُعد نحو 12 كيلو متراً شمال غرب نابلس، تتربع البقعة الأثرية الأولى من حيث التنوع الطبيعي في عدد الحضارات المتعاقبة عليها، بلدة سبسطية أو "شمس الحضارات" كما يحلو لأهاليها ونشطائها تسميتها، تمتد على أرضٍ يُقدّر عمرها بثلاثة قرونٍ ونيّف، وتصّر على الاحتفاظ بموروثها والصمود في وجه مخططات الاحتلال وقرصنته المتدحرجة.

يقول الصحفي أوس غزال من سكان سبسطية: "لا يخفى على أحدٍ ما تحويه سبسطية من كنزٍ تراثي وأثري، فهي تحتضن آثاراً من عصور متعددة، ففيها آثار تعود للحضارات البيزنطية والرومانية واليونانية إضافة للكنعانية، وهذا ما جعلها محط أنظار الاحتلال منذ سيطرته على الضفة الغربية والقدس عام 1967م".

ويتابع غزال: "البلدة الأثرية تزخر بمجموعاتٍ كبيرة من الأعمدة القديمة، حتى أن شارعاً فيها يسمى شارع الأعمدة، وتحوي القبور القديمة، والمعابد والمسارح، ويعد المدرج الروماني أشهر المدرجات الأثرية فيها، كما يوجد مسجد يُعتقَد أن صلاح الدين الأيوبي شيّده تزامنا مع فتح بيت المقدس، إضافة لساحة البيادر الرومانية، ومعبد أغسطس، وكنيسة بيزنطية".

 

بدايات القرصنة

بدأ الاحتلال الجزء الأول من "فيلم الرعب" الذي يستهدف الآثار في سبسطية باكراً، منذ ثمانينيات القرن الماضي، وفي هذا الصدد، يقول مدير العلاقات العامة في بلدية سبسطية معتصم عليوي إن القرصنة الاسرائيلية على الآثار شملت في البداية التماثيل التاريخية التي كانت داخل المسجد العثماني، حيث جرى ضمها للمتاحف الاسرائيلية.

ويؤكد عليوي أن الاسرائيليين حاولوا تغيير الطابع الأثري الأصلي قبل قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية من خلال نقل بعض المعالم من المقبرة الملكية الرومانية إلى مكانٍ آخر في الساحة، لكنهم فشلوا في إزاحة القبور الكبيرة فتركوها مكانها.

يوضح عليوي أن المرحلة الثانية من التهويد وسرقة الآثار جاءت بعد اتفاق أوسلو، عبر تصنيف المنطقة الأثرية في سبسطية تصنيفا استثنائيا، حيث تقع الآثار ضمن منطقة "ج" الأمر الذي يعني السيطرة الاسرائيلية التامة، وعدم السماح للفلسطينيين بأي خطوات لإحياء السياحة أو تنفيذ مشاريع أخرى، مشيراً إلى أن مستوطنة "شافي شمرون" قضمت جزءا من أراضي سبسطية.

في ذات السياق، يؤكد مسؤول ملف الاستيطان في شمال الضفة غسان دغلس أن المنطقة الأثرية في سبسطية هي نموذجٌ لما تعانيه الضفة الغربية من الاستيطان و"الأسرلة" لافتاً إلى أن الاحتلال بشكل عام يحاول فرض روايته المزيفة كأمرٍ واقع، وفي ذات الوقت يمنع الفلسطينيين سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات حكومية من الحفاظ على المعالم الأثرية.

ويضيف دغلس: "كل العوامل على الأرض تشير إلى مخطط مجهول قادم يستهدف سبسطية، والأدلة على ذلك كثيرة، أبرزها منع التواجد الفلسطيني في المنطقة الأثرية، ونقل الاحتفالات بالأعياد اليهودية إليها، وهدم ممتلكات الأهالي قرب المكان الأثري".

 

مخطط "أريئيل"

وكان تقرير صادر عن منظمة إسرائيلية "عميق شيفه"، كشف عن وجود مشروعٍ تهويدي أطلقته جامعة "أريئيل" الاسرائيلية الواقعة في وسط الضفة، يطال مدينتي القدس والخليل ويضم سبسطية أيضا، ويشمل المخطط تخصيص ثلاث مناطق للحفريات في موقع التل الأثري الذي تبلغ مساحته 115 دونماً، الجامعة يندرج ضمن مسؤوليتها التنقيب عن الآثار في الضفة الغربية.

وأكد التقرير أن المخطط التهويدي له بُعدٌ آخر، يشمل فصل المنطقة الأثرية التي تساوي نصف مساحة سبسطية عن بقية أنحاء البلدة، تمهيدا لجعل المنطقة يهودية خالصة، تنفيذاً لقرار سلطة الطبيعة الاسرائيلية، حيث تعتبر المنطقة الأثرية منذ السبعينيات تابعةً لها.

 

صراع السارية

ضمن فعاليات إحياء السياحة وتعريف الجمهور الداخلي والخارجي بآثار سبسطية والأخطار المُحدقة بها، رفع نشطاء العلم الفلسطيني على ساريةٍ استقرت في أعلى التل الأثري، القريب من المقبرة الملكية في المنطقة الأثرية، ومنذ ذلك الحين، بدأت معركة السارية.

يقول مدير العلاقات العامة في بلدية سبسطية معتصم عليوي: "الاحتلال لم يُمهل سارية العلم طويلاً، فانتزع العلم عنها عشرات المرات، لكن في كل مرة كان الشبان يعيدون رفع العلم مجدداً، واستمر الكر والفر بين جنود الاحتلال والشبّان وسط مواجهات متكررة"، موضحاً أن الجنود فجّروا السارية خلال أحد الاقتحامات للبلدة في نهاية العام الماضي.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018