أزمة الكهرباء في غزة.. ظاهرها مالي وباطنها سياسي

 

منذ عشر سنوات، تعاني غزة من "شحّ" الكهرباء، بفعل أزمات ظاهرها مالية وباطنها سياسية، يتجرع علقمها شعب كلما أدرك مسؤولوه أن طاقة تحمله أوشكت على النفاد، شحنوها بإبرٍ تخديرية سرعان ما يذهب مفعولها لتشتد الأزمة من جديد.

تحاول "الحال" في هذا التقرير الوقوف على أسباب أزمة الكهرباء، وتحاور الأطراف المعنية.

فقد أكد مدير العلاقات العامة في شركة توليد كهرباء غزة طارق لبد لـ "الحال" أن أسباب أزمة الكهرباء تتمثل في نقص كمياتها الواردة من مصادرها من الجانبين الإسرائيلي والمصري، فضلاً عن نقص الوقود الذي تعمل به المحطة.

وتابع لبد: "الشركة تحتاج في ذروة الصيف إلى 450 ميجاوات، وفي ذروة الشتاء 550 ميجاوات، علماً أن ما كان متوفراً قبل وصول المنحة القطرية فقط 160 ميجاوات، بعجزٍ يصل إلى أكثر من 70%".

وأوضح أن الشركة تعاني من قلة نسبة الملتزمين بالدفع، إذ تتجاوز نسبتهم 40%، مبيناً أنهم لا يستطيعون شراء كميات أكبر من الوقود بفعل نقص الجباية والضرائب الباهظة المفروضة على الوقود اللازم لتشغيل المحطة.

وأشار إلى أن الشركة تنفذ حملات مستمرة لتشجيع المشتركين على سداد الرسوم، لافتاً إلى أنها تتعاون مع الحكومة كي يدفع المشتركون ثمن استهلاكهم، لكن الأوضاع الاقتصادية تحول دون استجابة الكثرين.

وعن نظام الدفع المسبق أشار لبد إلى أن البنك الدولي تبرع بما يقارب الـ 80 ألف عداد مسبق الدفع، ولا تزال سلطة الطاقة في رام الله تحتجزهم. 

من ناحيته، قال مدير العلاقات العامة في سلطة الطاقة بغزة أحمد أبو العمرين لـ"الحال":" الأزمة تشتد عاماً بعد عام، بفعل العجز المتراكم لتوليد الكهرباء في مقابل الزيادة السكانية والعمرانية".

وتابع: "هناك مشاريع عدة تساهم في حل أزمة الكهرباء تتمثل في مشروع خط 161 من الجانب الإسرائيلي، ومشروع تبديل السولار الصناعي بالغاز الطبيعي، بالإضافة إلى مشروع الربط الثماني مع دولة مصر".

وبين أن الضرائب المفروضة على الوقود ترفع سعره إلى ثلاثة أضعاف سعره الحقيقي، وذلك بفعل ضريبة "البلو" التي تصل إلى 200 في المائة، فضلاً عن ضرائب أخرى تصل إلى 128 في المئة، لافتاً إلى أن ما يتم الحديث عنه إعلامياً برفع الضريبة لا يشمل إلا "البلو". وهي ضريبة إضافية مرتفعة على وقود المحروقات والوقود الصناعي المستخدم لتوليد الطاقة".

"نحن ندور في دائرةٍ مفرغة، والضرائب باهظة جداً، لذا لا نقوى إلا على شراء كميات محدودة" بحسب أبو العمرين.

وعن حق السلطة الفلسطينية فرض الضرائب على الوقود كغيره من السلع الأخرى قال أبو العمرين: "لا يوجد في العالم حكومة تفرض ضريبة على نفسها، ونحن من نقوم بشراء الوقود وليس شركة الكهرباء، وفق اتفاقية عام 2003، فضلاً على أن تقديم الكهرباء خدمة إنسانية". 

وأكد أن طاقة رام الله تُعفي الجهات المانحة في حال تبرعها لشراء الوقود من الضرائب، مستدركاً أن غزة أولى بالإعفاء، مبيناً أنهم يبذلون جهوداً غير منقطعة لحل الأزمة من خلال زيادة التحصيل والتواصل مع دول عدة لتوفير الوقود.

على الصعيد الآخر، قال القائم بأعمال رئيس سلطة الطاقة في رام الله ظافر ملحم لـ"الحال": "أزمة الكهرباء في غزة تتمحور في زيادة الاستهلاك سنوياً بمعدل يصل إلى 10% دون زيادة في المصادر والإمدادات".

وأكد ملحم أن توفير مصادر أخرى مرتبط بالإمكانيات المادية لشركة الكهرباء التي يجب أن توفرها، فالشركة قطاع ربحي وليس خدماتيا، واصفاً إياه بـ "منجم ذهب"، منوهاً إلى أن السلطة لا تريد أن تربح ولكنها لا تريد أن تتكبد خسائر.

وتابع: "ندفع عن الشركة شهرياً من 40 إلى 50 مليون شيكل للجانب الإسرائيلي، و8 إلى 10 ملايين شيكل للجانب المصري، فضلاً عن تكفلنا بصيانة الخطوط والإمدادات وبناء الأبراج وجميع الأمور الفنية والتقنية، وإعفائنا بشكل مستمر لجزء كبير من الضرائب المفروضة على الوقود".

ونوه ملحم إلى تركز المشكلة في أن نسبة جباية الكهرباء مقابل استهلاكها في غزة تساوي صفرا، موضحاً أن الحل يكمن في إعادة هيكلة شركة الكهرباء وسلطة الطاقة في غزة، وتمكين حكومة الوفاق والقطاعات الأخرى بتولي زمام الأمور، لفرض القانون وحل الأزمة بشكلٍ جذري، "ولا توجد نية صادقة لتسليم الشركة والسلطة للحكومة".

وفند ملحم الاتهامات التي وُجهت لطاقة رام الله من قبل القائمين على غزة قائلاً: "فيما يتعلق بالمشاريع التطويرية وزيادة المصادر، فنحن بحاجة إلى ضمانات مالية، وكل ما حصلنا عليه حتى اللحظة هو مجرد كلام، لن نغامر به".

وأكد أن القائمين على حكم غزة يريدون الحصول على الكهرباء دون دفع مقابل، منوهاً إلى أن تطبيق تلك المشاريع قد يكبد الحكومة ملياري دولار سنوياً.

أما فيما يتعلق بالضرائب المفروضة على الوقود، فقد أوضح ملحم أنهم يقومون بإعفاء ما نسبته 60 إلى 80% من ضريبة "البلو" منذ سنوات، معتبراً الضريبة أمرا طبيعيا، تفرضه كل حكومات العالم على البضائع، علاوة على أن الضريبة ليست مفروضة على سلطة الطاقة كجهة حكومية، فهي مجرد وسيط لشراء الوقود. 

وعن عدادات الدفع المسبق المحتجزة لدى طاقة رام الله وفق ما أفادت كهرباء غزة، بين ملحم أن البنك الدولي تبرع بمنحةٍ مالية بقيمة 8 إلى 15 مليون دولار، تشمل إعادة تأهيل الشبكات والمحولات والأبراج والكوابل والأعمدة، منوهاً إلى أن ما تم تخصصيه للعدادات مسبقة الدفع هو مليون دولار فقط، مستدركاً أن  المبلغ لا يكفي في أحسن الأحوال إلا لشراء 6 إلى 8 آلاف عداد، علماً أن عدد المشتركين في القطاع يبلغ حوالي 250 ألف.

هذا وكانت الفصائل الفلسطينية قد طرحت في 14 كانون الثاني الجاري، مبادرةً لحل أزمة الكهرباء تتمثل في 8 نقاط، أهمها تشكيل لجنة هيئة وطنية لمتابعة حلول أزمة الكهرباء، وإعادة تشكيل مجلس إدارة الشركة بما يراعى الخبرة والتعددية السياسية والمهنية، وزيادة نسبة الجباية، ورفع ضريبة "البلو" بشكلٍ كامل، وبحث سبل تطبيق المشاريع التطويرية لإنهاء الأزمة.

وقال القيادي في الجبهة الشعبية هاني الثوابتة لـ"الحال": "المبادرة التي قدمناها قابلة للتطبيق إذا ما توفرت النية الحقيقة لدى كلا الطرفين".

وبين أن حماس وحكومة الوفاق الوطني وافقتاعلى المبادرة، وأكدا جاهزيتهما لتطبيقها، لافتاً إلى أن المبادرة ستدخل حيز التنفيذ خلال الأيام القادمة، مؤكداً أنهم سيصارحون الشعب علانيةً بالطرف الذي قد يحاول إعاقة عملها، لافتاً إلى إمكانية إعادة صياغة أي بند عليه خلاف بين الطرفين.

وعقب ملحم على المبادرة بضرورة توفير بيئةٍ قانونيةٍ ملائمةٍ لتطبيقها، لفرض إدارتهم على الشركة والسلطة.

من ناحيته، أكد المحلل السياسي فايز أبو شمالة أن معالجة أزمة الكهرباء تتم عبر مسارين: رفع الضرائب عن الوقود، كون الشركة بالأساس لا تسجل أي ربح يذكر، وأرباحها وهمية طالما لم تتحصل عليها من المشتركين، وفق ما أكدت لجنة الفصائل التي اطلعت على حسابات الشركة، وذلك بسبب ضعف التحصيل للأوضاع الاقتصادية التي يعيشها القطاع. والثاني أن على الشركة إيجاد طريقة لملاحقة كل من لا يدفع استهلاكه لها، والإسراع بتركيب عدادات الدفع المسبق.

وختم حديثه قائلاً: "الحل يكمن في تحمل الفصائل الفلسطينية مسؤوليتها تجاه الشعب وعمل لجنة عليا تشرف على عمل شركة الكهرباء".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018