نحو إعادة الاعتبار للخبر المحلي الإعلام المحلي.. رحابة "الهامش" غير المستغل


 

هناك صعوبة في الحديث عن الإعلام المحلي في أي مدينة فلسطينية، والسبب في ذلك يعود إلى أننا دوما نتحدث عن الإعلام المحلي الفلسطيني ككتلة واحدة، رغم تمايزات كثيرة جديرة بالدرس والاهتمام، فتجربة الإعلام في الخليل غيرها في طولكرم، وهو ما انعكس على الدراسات التي تتصدى للإعلام الفلسطيني بحيث نراها تتناوله ككتله واحدة، مثلا: الصحف، المحطات المحلية، إعلام منظمات المجتمع المدني.. إلخ، وندر أن نجد دراسة تتحدث عن وسائل الإعلام في مدينة قلقيلية مثلا، وهو ما يجعل مصدر الحديث عن وسائل الإعلام المحلية مستمدا من التجربة والميدان، والخبرة اليومية، والمعايشة للواقع بتفاصيله.

السؤال هنا: هل هناك حاجة للحديث عن الإعلام المحلي في مدينة فلسطينية في ظل سيطرة وسائل الإعلام الكبرى العربية والغربية؟ الجواب نعم، فالافتراض انه كلما تعمق الاحساس بالعولمة، زاد الاهتمام بكل ما هو محلي: موسيقى، ثياب، طعام، وسائل إعلام.. إلخ.

وسط تلك المسلّمة، سنحاول استعراض بعض إشكالات الإعلام المحلي في مدينة جنين من خلال قصة فشل مشروع حقيقي كان يمكن أن يكون رياديا: كان هناك خمسة من طلابي الذين تخرجوا قبل سنوات ثلاث، نقلت لهم أفكاري عن مشروع موقع إخباري سموه "جنين 24" يهتم بالخبر المحلي، وبعد عام من العمل لانجاح الفكرة كموقع إلكتروني يهتم بجنين وبلداتها، فشل الموقع وتوقف.

التجربة الفاشلة فيها خير كثير، حيث وضعتني على مجموعة من الأسباب التي قادت إلى فشلها، ويمكن إجمالها بما يلي:


1- تعريف الخبر المحلي:

ما هو الخبر المحلي؟ هل هو الخبر الذي ينشر في المساحة التي تمنحها الصحف الثلاث لجنين مثلا بشكل يومي (3–5 أخبار)؟ أم هو غير ذلك؟ وقد وجدت ان هناك خللاً في إدراك الطلبة الخريجين أو من تدربوا وعملوا معهم كمراسلين لماهية الخبر المحلي بالمفهوم الذي ينظر إلى أي تفصيل يحدث في قرية صغيرة باعتباره يصلح أن يكون خبرا محليا، مثل: شكاوى المواطنين، نفوق 5 أبقار، الخنازير تهاجم فلاحًا ويدافع عن نفسه بفأس، مسجد في قرية ما يجمع مبلغ 1000 شيقل.. إلخ. هذه أشياء من وجهة نظر طلبة كثر، وصحفيين مكرسين، ليست أخبارا محلية، ولا تصلح للنشر.

 

2- النجومية ومفهوم الصحافي الجيد:

الطلبة الخريجون الذين لم يمتلكوا حساسية المفهوم الذي أتحدث عنه للخبر المحلي يريدون ان يكونوا نجوما، يغطون القضايا الكبرى والخطيرة والموضوعات السياسية التقليدية التي تمتلك هالة تجعل من أي خبر محلي في قرية صغيرة ويهم سكانها في عداد اللاخبر.

 

3- العين على المركز/ رام الله:

أغلب من يتخرجون من الجامعات (من جنين، سواء درسوا بالعربية الأمريكية أو جامعة النجاح)، بدل أن ينخرطوا في العمل في الإعلام المحلي لمدنهم وبلداتهم، نراهم لا ينظرون إليها، بل إلى رام الله، بصفتها "العاصمة" السياسية والإعلامية، حيث المال والشهرة من وجهة نظرهم، وهذا يحرم المدن من صحافيين جيدين.

 

4- حساسية رسمية ومجتمعية مفرطة:

هناك حساسية مفرطة من المؤسسات والمجتمع لأي مفهوم جديد أو اهتمام من الصحافيين الجدد للأخبار المحلية، بالتالي، الجمهور والمؤسسات على اختلافها كانت تتحسس/ "ترتاب" من مفهوم النشر الجديد للخبر المحلي، وكانوا يتعاملون مع الفريق الخاص بـ"جنين 24" بريبة وشك، حتى وزارة الإعلام طلبت ضرورة الترخيص، والأجهزة الأمنية دارت حولهم.

 

5- انشر ما نمليه عليك:

المؤسسات والمصادر ومجتمع الأخبار بشكل عام يريدون ان ينشر فريق "جنين 24" ما يملونه هم عليهم. تنشر ما نريد. أما ان تعمل كأي صحافي مهني واحترافي، أي ان تنتقي ما يهم الناس وتنشره، فهو أمر مزعج ومرفوض.

 

6- جفاء الإعلان:

الواضح أن أغلب المحلات والمؤسسات والشركات لا تضع التسويق ومسألة الإعلانات في بالها. ولا ترصد لهذه المسألة ميزانية مهما كانت ضئيلة، فكيف لأي وسيلة إعلامية مستقلة ان تعيش ان جافاها الإعلان التجاري؟! 

 

7- ابتعد عن الأمني:

النصيحة واحدة، انشر ما نعرضه عليك، وإياك وتغطية الملفات والموضوعات الأمنية أو قضايا القتل او إطلاق النار أو حتى أمور فيها شبهات فساد. والنتيجة أن المدينة تغرق بالإشاعة.

 

8- أسئلة أخيرة:

كيف ينظر دسك التحرير في مركز وسائل الإعلام في رام الله إلى الأحداث في جنين؟ هل يتلمس المحررون حساسية تجاه القضايا في جنين وبلداتها ويمنحونها مساحة ما من الاهتمام؟ أم ان غول الاحداث في المركز يغطي على أي إشعاع من مدن الهامش؟

في فلسطين، هناك، ان جاز لنا القول، "حيتان الإعلام"، والمقصود بها مؤسسات إعلامية خاصة أو أهلية تمتلك القدرة على الحصول على التمويل الضخم، وتقدم مقترحات مشاريعها باسم المدن البعيدة. هناك مثلا نشرة موحدة لمجموعة من الإذاعات تبث في وقت واحد وتحرر من بيت لحم، يكون السؤال: هل يمنح المحرر في بيت لحم اهتماما أو يمتلك حساسية تجاه أخبار المدينة المحلية عندما يقدم نشرة خاصة بمجموعة مدن تتفاوت في الثقل السياسي والاقتصادي والسكاني؟
 

أخيرًا، إذا لم يتطور الاعلام المحلي عبر تجارب فريدة وملهمة ومبدعة، فلن يتطور الإعلام الفلسطيني ككل. منطق الأشياء من الصغير للكبير. فهل هناك من يتعلم؟ مع العلم أن هذه الرؤية لا تعني انغلاق المدن بأخبارها المحلية بعيدًا عن الهم الجمعي العام.. إطلاقًا.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018