مقهى دمشق.. رائحة الشام في جنين

 

 

دخلتُ من بوابة بنية كبيرة اتخذت شكلاً مقوساً في أعلاها وتناثرت فيها الزخارف في الوسط على شكل حزام، لم أفكر كثيراً، فخطواتي كانت أسرع من تفكيري الذي أوقفه نادلٌ استقبلني بلهفة، مستفسراً عن طلبي، أخذت أشرح له أني جئت لأعد مادة صحافية عن المقهى. لم أكمل حديثي مع النادل. أخذتُ أبحر في تفاصيل المكان.

بصوته الهادئ جداً يروي صاحب مقهى دمشق غسان السعدي حكاية المقهى الذي كان أصله بيتاً، فيقول: أعشق الأماكن القديمة، وترميمها واستعمالها بشكل صحيح، وكان لدي مقهى غير هذا بالشراكة مع إخوتي، لكني فكرت في عمل مقهى خاص بي، وكان النصيب أن حصلت على هذا المكان وهو بيت قديم جدا، وقد بني على مرحلتين: فالطابق الأول ُبني في الثلاثينيات والثاني بني في الخمسينيات، وخلال ترميمه واجهتنا مشكلات هندسية، فالبيت كان عبارة عن غرف والمشكلة تمثلت في فتح الواجهات وقد تم التغلب عليها.

 

مقطوعة موسيقية ونعناع

تداخلت أصوات زقزقات عصافير ملونة تحتضنها أقفاص حديدية في المقهى، مع صوت غناء فيروز انبعث من مذياع قديم اتخذ من زاوية بعيدة مكاناً له، كل هذا الجمال للأصوات الملائكية تمازج لينتج مقطوعة موسيقية فريدة في هذا المقهى.

أثناء استغراقي في سماع تلك المقطوعة، أخذني من عالمي صوت النادل الذي أحضر لي شاياً غامقَ اللون تطفو على سطحه ورقتان من النعناع الأخضر، قلت في نفسي: "أنا لا أحب الشاي بالنعناع!"، ولكني وبسبب حلولي ضيفة في المقهى، فعليّ أن أتجرع رشفة أو رشفتين تقديراً لواجب الضيافة. ولكنني عندما تذوقته شعرتُ برغبة في تناول الكأس كله، فقد كان لذيذاً إلى الحد الذي جعلني أشك في مكونات الشاي هذا؟ أهو نعناع أم شاي معتق برائحة الشام؟

 

قطع من الموزاييك

 

أدواتٌ موسيقية وقطعٌ نحاسية قديمة كانت تزين جدران المقهى، إضافة إلى شيء من النادر وجوده في بقية المقاهي في جنين، فثمة العشرات من الصور والمقولات للساسة والثوريين والأدباء على الجدران؛ وكأنها قطع من الموزاييك تتجمع لتبهر الناظر وتجعله يغار من جمالها! 

"لم أرد أن يكون هذا المكان مجرد مقهى، أردت أن أصنع مقهى من طراز جديد، يربط الزائر بالتراث القديم وصور الشخصيات السياسية والأدبية تساعد الزائر على التعرف على حياتها وبعض مقولاتها، وأنا أحرص على تخصيص جزء من ريع هذا المقهى للجانب التراثي والثقافي والوطني"، شرح السعدي ذلك في شيء من الإسهاب.

توقف السعدي عن الشرح قليلاً ثم استأنف: "هذا المكان لم يمض على إنشائه إلا سنة تقريبا، وأنا أحاول تطويره بالاستفادة من مقترحات الزبائن اليومية، يهمني رأي الزبون في المقهى وأحاول تطويره بما يرضيه".

الطابع الذي توزعت فيه قطع الأثاث في المقهى أعطاه صفة الصالة ذات الغرف المنفتحة على بعضها، ولعلّ هذا هدف منشود من صاحب المقهى الذي كان حريصاً على أن يجلس الزبائن ويرون بعضهم بعيداً عن قيود الطاولات والكراسي.

 

عراقة "أرض الديار" 

 

أما الساحة الخلفية للمقهى، فهي ليست عادية، بل تميزت بتصميمها كسائر أركانه، فهي كما قال السعدي:" أرض ديار بنصها نافورة وحواليها الزريعة والخضرة".

كانت النافورة تفيض ماءً يتناثر كحبات اللؤلؤ منها، وفي أسفل النافورة أزهار بألوان مختلفة أصابها الذبول، أعادني ذاك المشهد إلى دمشق بماضيها اللؤلؤي، وحاضرها الذابل وزهورها الميتة.

أما ما حول النافورة فهي ألوان شتى لأزهار طبيعية "تسرّ الناظرين"، وعروش من اللون الأخضر حوّلت المكان لجنّة حقيقية، وعلى "أرض الديار" كما يسمونها تتوزع طاولات زجاجية تتفرد في مضمونها أكثر من شكلها. فهي كما وصفها السعدي:" تحوي أرشيفاً لجريدة القدس يعود لعام 1969"، أي مضى عليها ما يقارب الأربعين عاماً.

 

جلستُ مع النادل الذي قدم لي الشاي بالنعناع على إحدى الطاولات الزجاجية تلك، وقد بدت على ملامح وجهه التعب. طلبتُ منه أن يحدثني قليلاً عن عمله في المقهى، فقال: "أعمل هنا منذ بداية تأسيس هذا المقهى، وأحب أجواء العمل هنا وأشعر أني في سوريا فالناس يجلسون حول النافورة، وهم يحبون زيارة المكان لأنهم ترون فيه الجديد والتراث الذي يحنون له".

اللافت لعين الداخل إلى المكان أنّ جميع الجالسين فيه من الرجال، هذا ما جعلني يائسة من زيارته مرة أخرى لتذوق الشاي بالنعناع، لكنّ كلمات النادل طمأنتني حين أخبرني بأنّ الطابق الثاني من المقهى سيكون مخصصا للعائلات قريباً.

أحد الزبائن كان مسنداً ظهره على الكنبة ويدخن الأرجيلة، قال لي: "أزور هذا المكان لأني أشعر أنه يتلاءم مع جو المدينة، ونحن في جنين نبحث عن أماكن محترمة وراقية لنزورها، والذي يشدني في زيارة هذا المقهى هو التراث والقدم الذي أراه متجسداً فيها، والارتباط مع سوريا في الجلسات والمسمى".

غادرت المقهى بعد أن قلت لنفسي: دمشق الجميلة التي شممت رائحتها لن تموت، فكيف تموت وهي حية في قلوبنا؟ وياسمينها يعرش على جدران الذاكرة؟ لن تموت دمشق وهي في قلب فلسطين.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018